٢٨ { وما انزلنا على قومه } اى قوم حبيب وهم اهل انطاكية { من بعده } اى من بعد قتله { من جند } [ عسكر ] { من السماء } لاهلاكهم والانتقام منهم كما فعلناه يوم بدر والخندق بل كفينا امرهم بصيحة ملك { وما كنا منزلين } وما صح فى حكمتنا ان تنزل لاهلاك قومه جندا من السماء لما انا قدرنا لكل شئ سببا حيث اهلكنا بعض الامم بالحاصب وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالاغراق وجعلنا انزال الجند من السماء من خصائصك فى الانتصار من قومك وفى الآية استحقار لاهل انطاكية ولاهلاكهم حيث اكتفى فى استئصالهم بما يتوسل به الى زجر نحو الطيور والوحوش من صيحة عبد واحد مأمور وايماء الى تفخيم شأن الرسول عليه السلام لانه اذا كان ادنى صيحة ملك واحد كافيا فى اهلاك جماعة كثيرة ظهر ان انزال الجنود من السماء يوم بدر والخندق لم يكن الا تعظيما لشأنه واجلالا لقدره لا لاحتياج الملائكة الى المظاهرة والمعاونة فانه قيل كما لم ينزل عليهم جندا من السماء لم يرسل اليهم جندا من الارض ايضا فما فائدة قوله من السماء فالجواب انه ليس للاحتراز بل لبيان ان النازل عليهم من السماء لم يكن الا صيحة واحدة اهلكتهم باسرهم ٢٩ { ان كانت } اى ما كانت الاخذة او العقوبة على اهل انطاكية { الا صيحة واحدة } [ مكر يك فرياد كه جبرائيل هردوبازى درشهر ايشان كرفته صيحة زد ] { فاذا هم } [ بس آنجا ايشان ] { خامدون } ميتون لا يسمع لهم حس ولا يشاهد لهم حركة شبهوا بالنار الخامدة رمزا الى ان الحى كالنار الساطعة فى الحركة والالتهاب والميت كالرماد يقال خمدت النار سكن لهبها ولم ينطفئ جمرها وهمدت اذا طفئ جمرها قال فى الكواشى لم يقل هامدون وان كان ابلغ لبقاء اجسادهم بعد هلاكهم ووقعت الصيحة فى اليوم الثالث من قتل حبيب الرسل او فى اليوم الذى قتلوهم فيه . وفى رواية فى الساعة التى عادوا فيها بعد قتلهم الى منازلهم فرحين مستبشرين وانما عجل اللّه عقوبتهم غضبا لاوليائه الشهداء فانه تعالى يغضب لهم كما يغضب الاسد لجروه نسأل اللّه ان يحفظنا من موجبات غضبه وسخطه وعذابه ٣٠ { يا حسرة على العباد } المصرين على العناد تعالى فهذه من الاحوال التى حقها ان تحضرى فيها وهى ما دل عليه قوله تعالى { ما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزؤن } فان المستهزئين بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين احقاء بان يتحسروا ويتحسر عليهم المتحسرون وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين فقوله { يا حسرة } نداء للحسرة عليهم والحسرة وهى اشد الغم والندامة على الشئ الفائت لا تدعى ولا يطلب اقبالها لانهامما لا تجيب والفائدة فى ندائها مجرد ننبيه المخاطب وايقاظه ليتمكن فى ذهنه ان هذه الحالة تقتضى الحسرة وتوجب والنداء عندهم يكون لمجرد التنبيه وقد جوز ان يكون تحسرا عليهم من جهة اللّه بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه على انفسهم شبه استعظام اللّه لجنايتهم على انفسهم بتحسر الانسان على غيره لاجل ما فاته من الدولة العظمى من حيث ان ذلك التحسر يستلزم استعظام ما اصاب ذلك الغير والانكار على ارتكابه والوقوع فيه ويؤيده قراءة يا حسرتا لان المعنى يا حسرتى ونصبها لطولها بما تعلق بها من الجار اى لكونها مشابهة بالمنادى المضاف فى طولها بالجار المتعلق وفى بحر العلوم قوله { ما يأتيهم } الخ حكاية حال ماضية مستمرة اى كانوا فى الدنيا على الاستمرار يستهزئون بمن يأتيهم من الرسول من غاية الكبر ويستحقرون ويستنكفون عن قبول دينه ودعوته وفيه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن استهزاء قومه وفى تفسير العيون قوله { يا حسرة على العباد } بيان حال استهزائهم بالرسل اى يقال يوم القيامة يا حسرة وندامة على الكفار حيث لم يؤمنوا برسلهم وقوله { ما يأتيهم } الخ تفسير لسبب الحسرة النازلة بهم وفى الحديث ( ان المستهزئين بالناس فى الدنيا يفتح لهم يوم القيامة باب من ابواب الجنة فيقال لهم هلم هلهم فيأتيه احدهم بكربه وغمه فاذا اتاه اغلق دونه فلا يزال يفعل به ذلك حتى يفتح له الباب فيدعى اليه فلا يجيب من الاياس ) وقال مالك بن دينار قرأت فى زبور داود طوبى لمن لم يسلك سبيل الآثمين ولم يجالس الخطائين ولم يدخل فى هزؤ المستهزئين وفى المثنوى باره دوزى ميكنى اندر دكان ... زير اين دكان تو مدفون دو كان هست اين دكان كرآيى زودباش ... تيشه بستان وتكش را مى تراش تاكه تيشه ناكهان بركان نهى ... از دكان وباره دوزى وا رهى باره دوزى جيست خورد آب ونان ... مى زنى اين باره بر دلق كران هر زمان مى درد اين دلق تنت ... باره بروى مى زنى زين خوردنت بارة بركن ازين قعر دكان ... تابر آرد سربه ييش تو دو كان ييش ازان كين مهلت خانه كرى ... آخر آيد تو نبردى زو برى بس ترا بيرون كند صاحب دكان ... وين دكانرا بركند از روى كان توز حسرت كاه بر سر مى زنى ... كاه خام خود برميكنى كاى دريغا آن من بود اين دكان ... كور بودم برنخوردم زين مكان اى دريغا بود ما را برد باد ... تا ابد يا حسرة شد للعباد ٣١ { ألم يروا } وعيد للمشركين فى مكة بمثل عذاب الامم الماضية ليعتبروا ويرجعوا عن الشرك اى ألم يعلم اهل مكة { كم اهلكنا قبلهم من القرون } كم خبرية . والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد اى كثرة اهلاكنا من قبلهم من المذكورين آنفا ومن غيرهم بشؤم تكذيبهم وقوله ألم يروا معلق عن العمل فيما بعده لان كم لا يعمل فيها ما قبلها وان كانت خبرية لان اصلها الاستفهام خلا ان معناه نافذ فى الجملة كما نفذ فى قولك ألم تر ان زيدا لمنطلق وان لم يعمل فى لفظه فالجملة منصوبة المحل بيروا { انهم اليهم لا يرجهون } بدل من اهلكنا على المعنى اى ألم يعلموا كثرة اهلاكنا القرون الماضية والامم السالفة كونهم اى الهالكين غير راجعين اليهم اى الى هؤلاء المشركين اى اهلكوا اهلاكا لارجوع لهم من بعده فى الدنيا : وبالفارسية [ ومشاهده نكردند كه هلاك شدكان سوى اينان بازنمى كردند يعنى بدنيا معاودت نمى كنند ] أفلا يعتبرون ولم لا ينتبهون فكما انهم مضوا وانقرضوا الى حيث لم يعودوا الى ما كانوا فكذلك هؤلاء سيهلكون وينقرضون اثرهم ثم لا يعودون وقال بعضهم ألم يروا ان خروجهم من الدنيا ليس كخروج احدهم من منزله الى السوق او الى بلد آخر ثم عودته الى منزله عند اتمام مصلحته هناك بل هو مفارق من الدنيا ابدا فكونهم غير راجعين اليهم عبارة عن هلاكهم بالكلية ويجوز ان يكون المعنى ان الباقين لا يرجعون الى المهلكين بسبب الولادة وقطعنا نسلهم واهلكناهم كما فى التفسير الكبير [ سلمان فارسى رضى اللّه عنه هر كاه كه بخرابى برطذشنة توقف كردى دل بدادند ومال ورفتكان آن منزل ياد كردى كفتى كجايند ايشان كه اين بنا نهادند واين مسكن ساختند وبزارى بناليدى وجان بردر باختند تا آن غرفها بياراستند جون دلبران نهادند وجون كل بشكفتند برك بريختند ودر كل خفتند ] سل الطارم العالى الذرى عن قطينه ... نجا ما نجا من بؤس عيش ولينه فلما استوى فى الملك واستعبد العدى ... رسول المنايا تله لجبينه وهذه الآية ترد قول اهل الرجعة اى من يزعم ان من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت كما حكى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما انه قيل له ان قوما يزعمون ان عليا رضى اللّه عنه مبعوث قبل يوم القيامة فقال بئس القوم نحن اذا نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه اى لو كان راجعا لكان حيا والحى لا تنكح نساؤه ولا يقسم ميراثه كما قال الفقهاء اذا بلغ الى المرأة وفاة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الاول فهى امرأته لانها كانت منكوحته ولم يعترض شئ من اسباب الفرقة فبقيت على النكاح السابق ولكن لا يقربها حتى تنقضى عدتها من النكاح الثانى . ويجب اكفار الروافض فى قولهم بان عليا واصحابه يرجعون الى الدنيا فينتقمون من اعدائهم ويملأ الارض قسطا كما ملئت جورا وذلك القول مخالف للنص نعم ان روحانية على رضى اللّه عنه من وزراء المهدى فى آخر الزمان على ما عليه اهل الحقائق ولا يلزم من ذلك محذور قطعا لان الارواح تعين الارواح والاجسام فى كل وقت وحال فاعرف هذا ٣٢ { وان كل لما جميع لدينا محضرون } ان نافية وتنوين كل عوض عن المضاف اليه . ولما بمعنى الا . وجميع فعيل بمعنى مفعول جمع بين كل وجميع لان الكل يفيد الاحاطة دون الاجتماع والجميع يفيد ان المحشر يجمعهم . ولدينا بمعنى عندنا ظرف لجميع او لما بعده . والمعنى ما كل الخلائق الا مجموعين عندنا محضرون للحساب والجزاء وهذه الآية بيان لرجوع الكل الى المحشر بعد بيان عدم الرجوع الى الدنيا وان مات ترك على حاله ولو لم يكن بعد الموت بعث وجمع وحبس وعقاب وحساب لكان الموت راحة للميت ولكنه يبعث ويسأل فيكرم المؤمن والمخلص والصالح والعادل ويهان الكافر والمنافق والمرائى والفاسق والظالم فيفرح من يفرح ويتحسر من يتحسر فللعباد موضع التحسر ان لم يتحسروا اليوم واعلم انه غلبت على اهل زماننا مخالفة اهل الحق ومعاداة اولياء اللّه واستهزاؤهم بهم وبكلماتهم المستحسنة الا من يشاء اللّه به خيرا من اهل النظر وارباب الارادة وقليل ما هم فكما ان اللّه تعالى هدد كفار الشريعة فى هذا المقام من طريق العبارة كذك هدد كفار الحقيقة من طريق الاشارة فانه لم يفت منهم احد ولم ينفلت من قبضة القدرة الى يومنا هذا ولم يكن لواحد منهم عون ولا مدد وكلهم رجعوا اليه واحضروا لديه وعوتبوا بل عوقبوا على ما هم عليه ثم اعلم ان اللّه تعالى جعل هذه الامة آخر الامم فضلا منه وكرما ليعتبروا بالماضين وما جعلهم عبرة لامة اخرى وانه تعالى قد شكا لهم من كل امة وما شكا الى احد من غيرهم شكايتهم الا ما شكا الى نبيهم المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج كما قال عليه السلام ( شكا ربى من امتى شكايات . الاولى انى لم اكلفهم عمل الغد وهم يطلبون منى رزق الغد . والثانية انى لا ادفع ارزاقهم الى غيرهم وهم يدفعون عملهم الى غيرى . والثالثة انهم يأكلون رزقى ويشكرون غيرى ويخونون معى ويصالحون خلقى . والربعة ان العزة لى وانا المعز وهم يطلبون العز من سواى . والخامسة انى خلقت النار لكل كافر وهم يجتهدون ان يوقعوا انفسهم فيها ) فغان بديها كه در نفس ماست ... نه فعل نكوهست نه كفتار راست دوهواهنده بودن بمحشر فريق ... ندانم كدامين دهندم طريق حدايا دو جشمم زباطل بدوز ... بنورم كه فردا بنارت مسوز ٣٣ { وآية } علامة عظيمة ودلالة واضحة على البعث والجمع والاحضار وهو خبر مقدم للاهتمام به وقوله { لهم } اى لاهل مكة اما متعلق بآية لانها بمعنى العلامة او بمضمر هون صفة لها والمبتدأ قوله { الارض الميتة } اليابسة الجامدة : وبالفارسية [ خشك وبى كياه ] { احببناها } استئناف مبين لكيفية كون الارض الميتة آية كأن قائلا قال كيف تكون آية فقال احييناها والاحياء فى الحقيقة اعطاء الحياة وهى صفة تقتضى الحس والحركة والمعنى ههنا هيجنا القوى النامية فيها واحدثنا نضارتها بانواع النباتات فى وقت الربيع بانزال الماء من بحر الحياة وكذلك النشور فانا نحيى الابدان البالية المتلاشية فى الاجداث بانزال رشحات من بحر الجود فنعيدهم احياء كما ابدعناهم اولا من العدم { واخرجنا منها } اى من الارض { حبا } الحب الذى يطحن والبرز الذى يعصر منه الدهن وهو جمع حبة والمراد جنس الحبوب التى تصلح قواما للناس من الارز والذرة والحنطة وغيرها { فمنه } اى فمن الحب { يأكلون } تقديم الصلة ليس لحصر جنس المأكول فى الحب حتى يلزم ان لا يؤكل غيره بل هو لحصر معظم المأكول فيه فان الحب معظم ما يؤكل ويعاش به ومنه صلاح الانس حتى اذا قلّ قلّ الصلاح وكثر الضر والصياح واذا فقد فقد النجاح باختلال الاشباح والارواح ولامر ما قال عليه السلام ( اكرموا الخبز فان اللّه اكرمه فمن اكرم الخبز اكرمه اللّه ) وقال عليه السلام ( اكرموا الخبز فان اللّه سخر له بركات السموات والارض والحديد والبقر وابن آدم ولا تسندوا القصة بالخبز فانه ما اهانه قوم الا ابتلاهم اللّه بالرجوع ) وقال عليه السلام ( اللهم متعنا بالاسلام وبالخبز فلولا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا حجبنا ولا غزونا وارزقنا الخبز والحنطة ) كما فى بحر العلوم قال فى شرعة الاسلام ويكرم الخبز باقصى ما يمكن فانه يعمل فى كل لقمة يأكلها الانسان من الخبز ثلاثمائة وستون صانعا او لهم ميكائيل الذى يكيل الماء من خزانة الرحمة ثم الملائكة التى تزجر السحاب والشمس والقمر والافلاك وملائكة الهواء ودواب الارض وآخرهم الخباز : قال الشيخ سعدى قدس سره ابروباد ومه وخورشيد وفلك دركارند ... تاتونانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه ازبهر توسر كشته وفرمان بردار ... شرط انصاف نباشد كه توفرمان نبرى ومن اكرام الخبز ان يلتقط الكسرة من الارض وان قلت فيأكلها تعظيما لنعمة اللّه تعالى وفى الحديث ( من اكل ما يسقط من المائدة عاش فى وسعة وعوفى فى ولده وولد ولده من الحمق ) ويقال ان التقاط الفتات مهور الحور العين ولا يضع القصعة على الخبز ولا غيرها الا ما يؤكل به من الادام . ويكره مسح الاصابع والسكين بالخبز الا اذا اكله بعده . وكذا يكره وضع الخبز جنب القصعة لتستوى . وكذا يكره اكل وجه الخبز او جوفه ورمى باقية لما فى كل ذلك من الاستحقاق بالخبز والاستخفاف بالخبز يورث الغلاء والقحط كذا فى شرح النقاية والعوارف وذكر ان الارز خلق من عرق النبى عليه السلام . زعم بعضهم ان اهل الهند لما منعوا من اخراجه الى الروم اطمعوه البط ثم ذبحوه فاخرجوه خيفة منهم بهذه الحيلة قال بعض الكبار من لم يأكل الارز بهذا الزعم فليأكل السم ٣٤ { وجعلنا فيها } وخلقنا فى الارض { جنات } بساتين مملوءة { من نخيل } جمع نخلة { واعناب } جمع عنب اى من انواع النخل والعنب ولذلك جمعا دون الحب فان الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الانواع فان قلت لم ذكر النخيل دون التمور متى يطابق الحب والاعناب فى كونها مأكول لان التمور والحب والاعناب كلها مأكولة دون النخيل قلت لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع وذلك لانها اول شجرة استقرت على وجه الارض وهى عمتنا لانها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام وهى تشبه الانسان من حيث استقامة قدّها وطولها وامتياز ذكرها من بين النبات واختصاصها باللقاح ورائحة طلعها كرائحة المنى ولطلعها غلاف كالمشيمة التى يكون الولد فيها ويقطع رأسها ماتت كما قالوا اقرب الجماد الى النبات المرجان لانه ينبت فى البحر كالنبات ويكون له اغصان واقرب النبات الى الحيوان النخل لانها تموت بقطع رأسها ولا تثمر بدون اللقاح كما ذكر واقرب الحيوان الى الانسان الفرس : يعنى [ ازحيثيت شعور وزيركى ] ويرى المنامات كبنى آدم ولو اصاب جمار النخلة آفة هلكت والجمار من النخلة كالمخ من الانسان واذا تقارب ذكورها واناثها حملت حملا كثيرا لانها تستأنس بالمجاورة واذا كانت ذكورها بين اناثها القحتها بالريح وربما قطع الفها من الذكور فلا تحمل لفراقة ويعرض لها العشق وهو ان تميل الى نخلة اخرى ويخف حملها وتهزل وعلاجه ان يشد بينها وبين معشوقها الذى مالت اليه بحبل او يعلق عليها سعفة منه او يجعل فيها من طلعة ومن خواص النخلة ان مضغ خوصها يقطع رائحة الثؤم وكذا رائحة الخمر واما العنب فقد جاء فى بعض الكتب المنزلة أتكفرون بى وانا خالق العنب وله خواص كثيرة وكذا الزبيب روى انه اهدى الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الزبيب فقال ( بسم اللّه كلوا نعم الطعام الزبيب يشد العصب ويذهب الوصب ويطفئ الغضب ويرضى الرب ويطيب النكهة ويذهب البلغم ويصفى اللون ) وماء الكرم الذى يتقاطر من قضبانها بعد كسحها ينفع للجرب شربا ويجمع ويسقى للمشغوف بالخمر بعد شرب الخمر من غير علمه فيبغض الخمر قطعا واول من استخرج الخمر جمشيد الملك فانه توجه مرة الى الصيد فرأى فى بعض الجبال كرمة وعليها عنب فظنها من السموم فامر بحملها حتى يجرّ بها ويطعم العنب لمن يستحق القتل فحملوه فتكسرت حباته فعصروها وجعلوا ماءها فى ظرف فما عاد الملك الى قصره الا وقد تخمر العصير فاحضر رجلا وجب عليه القتل فسقاه من ذلك فشربه بكره ومشقة ونام نومة ثقيلة ثم انتبه وقال اسقونى منه فسقوه ايضا مرارا فلم يحدث فيه الا السرور والطرب فسقوا غيره وغيره فذكروا انهم انبسطوا بعد ما شربوه ووجدوا سروا وطربا فشرب الملك فاعجبه ثم امر بغرسه فى سائر البلاد وكانت الخمر حلالا فى الامم السالفة فحرمها اللّه تعالى علينا لانها مفتاح لكل شر وجالبة لكل سوء وضرّ ومميته للقلب ومسخطه للرب وفى الحديث ( خير خلكم خل خمركم ) وذلك لان انقلاب الخمر الى الخل مرضاة للرب وفيه خواص كثيرة واكثر الناس السعال والتنحنح فى مجلس معاوية فامر بشرب خل الخل والخل ورد فيه ( نعم الادام ) وقد تعيش به كثير من السلف الكرام نسأل اللّه القناعة على الدوام { وفجرنا } الفجر شق الشئ شقا واسعا كما فى المفردات قال بعضهم التفجير كالتفتيح لفظا ومعنى وبناء التفعيل للتكثير : والمعنى بالفارسية [ در كشاديم وروانه كرديم ] { فيها } اى فى الارض { من العيون } جمع عين وهى فى الاصل الجارحة ويقال لمنبع الماء عين تشبيها بها فى الهيئة وفى سيلان الماء منها ومن عين الماء اشتق ماء معين اى ظاهر للعيون ومعنى من العيون من ماء العيون فحذف الموصوف واقيمت الصفة مقامه او العيون ومن مزيدة على رأى الاخفش واعلم ان تفجير الانهار والعيون فى البلاد رحمة من اللّه تعالى على العباد اذ حياة كل شئ من الماء وللبساتين منه النضارة والنماء . والعيون اما جارية واما غير جارية والجارية غير الانهار اذ هى اكثر واوسع من العيون ومنبعها غير معلوم غالبا كالنيل المبارك حيث لم يوجد رأسه وغير الجارية هى الآبار . وفى الدنيا عيون وآبار كثيرة وفى بعضها خواص زائدة كعين شبرم وهى بين اصفهان وشيراز وهى من عجائب الدنيا وذلك ان الجراد اذا وقعت بارض يحمل اليها من ذلك العين ماء فى ظرف او غيره فيتبع ذلك الماء طيور سود تسمى السمرمر ويقال له السوادية بحيث ان حامل الماء لا يضعه الى الارض ولا يلتفت وراءه فتبقى تلك الطيور على رأس حامل الماء فى الجو كالسحابة السوداء الى ان يصل الى الارض التى بها الجراد فتصيح الطير عليها فتقتلها فلا يرى شئ من الجراد متحركا بل يموت من اصوات تلك الطيور يقول الفقير فى حد الروم ايضا عين يقال لها ماء الجراد وهى مشهورة فى جميع البلاد الرومية ينقل ماؤها من بلده الى بلدة لقتل الجراد اذا استولت وقد حصلت تلك الخاصية لها بنفس من انفاس بعض الاولياء وان كان التأثير فى كل شئ من اللّه تعالى ولهذا نظائر منها ان فى قبر ابراهيم بن ادهم قدس سره ثقبة اذا قصد ظالم بسوء البلدة التى فيها ذلك القبر المنيف يخرج من تلك الثقبة نحل وزنابير تلسعه ومن يتبعه فيتفرقون : وفى المثنوى اوليارا هست قوت ازآله ... تير جسته بازكر داند زراه نسأل اللّه العصمة والتوفيق والشرب من عين التحقيق ٣٥ { ليأكلوا من ثمره } متعلق بجعلنا وتأخيره عن تفجير العيون لانه من مبادى الاثمار اى وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب ورتبنا مبادى اثمارها ليأكلوا من ثمر ما ذكر من الجنات والنخيل ويواظبوا على الشكر اداء لحقوقنا ففيه اجراء الضمير مجرى اسم الاشارة { وما عملته ايديهم } عطف على ثمره وايديهم كناية عن القوة لان اقوى جوارح الانسان فى العمل يده فصار ذكر اليد غالبا فى الكناية ومثله ذلك بما قدمت ايديكم وفى كلام العجم [ بدست خويش كردم بخويشتن ] وانت لا تنوى اليد بعينها كما فى كشف الاسرار والمعنى وليأكلوا من الذى عملته ايديهم وهو ما يتخذ منه من العصير والدبس ونحوهما وقيل ما نافية والمعنى ان الثمر بخلق اللّه تعالى لا بفعلهم ومحل الجملة النصب على الحالية ويؤكد الاول قراءة عملت بلاهاء فان حذف العائد من الصلة احسن من الحذف من غيرها { أفلا تشكرون } انكار واستقباح لعدم شكرهم النعم المعدودة والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى يرون هذه النعم او يتنعمون بها فلا يشكرونها بالتوحيد والتقديس والتحميد [ صاحب بحر الحقائق فرموده كه معنئ آيت بزبان اهل اشارت آنست كه زمين دلر ازنده كرديم بباران عنايت وبيرون أورديم ازان حب طاعت تا ارواح ازان غذا مى يابند وساختيم بوستانها از نخيل اذكار واعناب اشواق وعيون حكمت دروى روان كرديم تازا ثمار مكاشفات ومشاهدات تمتع مى كيرند از نتايج اعمال كه كرده اند از صدقات وخيرات آيا سباس دارى نميكنند يعنى سباس نمى بايد داشت برين نعم ظاهره وباطنه تاموجب مزيد آن شودكه ] { لئن شكرتم لازيدنكم } كر شكر كنى زياده كردد نعمت ... وزدل ببرد دغدغة بيش وكمت بس زود بسر منزل مقصود رسى ... از منهج شكر آكه نلغزد قدمت ٣٦ { سبحان الذى خلق الازواج كلها } سبحان علم للتسبيح الذى هو التبعيد عن السوء اعتقادا وقولا اى اعتقاد البعد عنه والحكم به فان العلم كما يكون علما للاشخاص كزيد وعمرو وللاجناس كاسامة يكون للمعانى ايضا لكن علم الاعيان لا يضاف وهذا لا يجوز بغير اضافة كما فى الآية اقيم مقام المصدر وبين مفعوله باضافته اليه والمراد بالازواج الاصناف والانواع جمع زوج بالفارسية [ جفت ] خلاف الفرد ويقال للانواع ازواج لان كل نوع زوج بقسميه . وفى سبحان استعظام ماذكر فى حيز الصلة من بدائع آثار قدرته وروائع نعمائه الموجبة للشكر وتخصيص العبادة به والتعجب من اخلال الكفرة بذلك والحالة هذه فان التنزيه لا ينافى التعجب . والمعنى اسبح الذى اوجد الاصناف والانواع سبحانه اى انزهه عما لا يليق به كما فعله الكفار من الشرك وما تركوه من الشكر وتلقين للمؤمنين ان يقولوه ويعتقدوا مضمونه ولا يخلوا به لوا يغفلوا عنه وقال بعضهم سبحان مصدر كغفران اريد به التنزه التام والتباعد الكلى عن السوء على ان تكون الجملة اخبار من اللّه بالتنزه والمعنى تنزه تعالى بذاته عن كل لا ما يليق به تنزها خاصا ومن هو خالق الاصناف والانواع كيف يجوز ان يشرك به ما لا يخلق شيأ بل هو مخلوق عاجز قال ابن الشيخ والتنزيه يتناول التنزيه بالقلب وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك الاعتقاد وهو الذكر الحسن وبالاركان معهما جميعا وهو العمل الصالح والاول هو الاصل والثانى ثمرة الاول والثالث ثمرة الثانى والذى لان الانسان اذا اعتقد شيأ ظهر من قلبه على لسانه واذا قال ظهر صدقه فى مقاله من افعال جوارحه فاللسان ترجمان الجنان والاركان ترجمان اللسان { مما تنبت الارض } بيان للازواج من انفسهم اى الذكر والانثى { ومما لا يعلمون } اى والازواج مما لا يطلعهم على خصوصياته لعدم قدرتهم على الاحاطة بها ولما انه لم يتعلق بها شئ من مصالحهم الدينية والدنيوية قال القرطبى اى من اصناف خلقه فى البر والبحر والسماء والارض ثم يجوز ان يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر ويعلمه الملائكة ويجوز ان لا يعلمه مخلوق يقال دواب البحر والبر الف صنف لا يعلم الناس اكثرها قال فى بحر العلوم ويجوز ان يكون المعنى مما لا يدركون كنهه مما خلق من الاشياء من الثواب والعقاب كما قال عليه السلام ( اربع لا تدرك غايتها شرور النفس وخداع ابليس وثواب اهل الجنة وعقاب اهل النار ) ومنه الروح فانه ما بلغنا ان اللّه تعالى اطلع احدا على حقيقة الروح وفى الاية اشارة الى انه ما من مخلوق الا وقد خلق شفعا اذ الفردية من اخص اوصاف الربوبية كما قال عبد العزيز المكى رحمه اللّه خلق الازواج كلها ثم قال { ليس كمثله شئ } ليستدل بذلك ان خالق الاشياء منزه عن الزوج والى ان فى كل شئ دليلا على وجوده تعالى ووحدته وكمال قدرته قال فى كشف الاسرار [ هريكى برهستى اللّه وبريكانكئ وى نشان نه كواهى دهنده را خرد نه نشان دهنده را زبان ] وفى كل شئ له آية ... تدل على انه واحد قال فى انيس الوحدة وجليس الخلوة [ وقتى بادشاهى بوداورا بكفر وزندقه ميلى بود وزيرى داشت عاقل ومسلمان خواست كه باد شارها ازان باز آورد وعادت وزير آنجنان بودكه هرسال بادشاهرا يكبار ضيافت كردى جون وقت ضيافت در رسيد بادشاهرا دعوت كرد بزمين شورستان كفت آنجاى جه جاى ميزبانيست وزير كفت آنجا بوستانهاى خوش وانهار دلكش روان وعمارتهاى كران ظاهر شده است بى آنكه كسى مباشرت واقدام نموده بادشاه جون اين سخن دور از عقل شنيد بحنديد وكفت در عقل جه كونه كنجد كه بنابى بنا كننده ظاهر شود وزير كفت ظاهر شده عالم علوى وسفليست باجندين عجائب وغرائب بى آفريد كارى جه كونه معقول بود باد شاهرا اين سخن عظيم خوش آمد واورا سعادت وهدايت روى نمود ] جشمها وكوشهارا بسته اند ... جزمرا آنهاكه از خود رسته اند جزعنايت كى كشايد جشم را ... جز محبت كى نشاند خشم را جون كريزم زانكه بى توزنده نيست ... بى خداونديت بود بنده نيست توبه بى توفيقت اى نور بلند ... جيست جز بدريش توبه ريش خند نسأل اللّه الوقوف على اسراره والاستنارة بانوار آثاره انه الظاهر فى المجالى بحسن اسمائه وصفاته والباطن بحقائق كالاته فى غيب ذاته ٣٧ { وآية لهم } اى علامة عظيمة لاهل مكة على كمال قدرتنا وهو مبتدأ خبره قوله { الليل } المظلم كأنه قيل كيف كان آية فقيل { نسلخ منه النهار } المضيئ اى نزيل النهار ونكشفه على مكان الليل ونلقى ظله بحيث لا يبقى معه شئ من ضوئه الذى هو شعاع الشمس فى الهواء مستعار من السلخ وهى ازالة ما بين الحيوان وجلده من الاتصال وان غلب فى الاستعمال تعليقه بالجلد يقال سلخت الاهاب بمعنى اخرجتها عنه { فاذا هم مظلمون } داخلون فى الظلام مفاجأة فان اذا للمفاجأة اى ليس لهم بعد ذلك امر سوى الدخول فيه وفيه رمز الى ان الاصل هو الظلمة والنور عارض متداخل فى الهواء فاذا خرج منه اظلم فعلى هذا المعنى كان الواقع عقيب اذهاب الضوء عن مواضع ظلمة الليل هو ظهور الظلمة كما كان الواقع عقيب سلخ الاهاب هو ظهور المسلوخ واما على معنى الا خراج فالواقع بعده وان كان هو الابصار دون الاظلام والمقام مقام ان يقال فاذا هم مبصرون لكن لما كان الليل زمان ترح وألم وعدم ابصار والنهار وقت فرح وسرور وابصار جعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب اخراج النهار من الليل بلا مهلة اذزمان السرور ليس فيه مهلة حكما وان كان ممتدا بخلاف زمان الغم فانه كان فيه المهلة وان كان قصيرا كما قيل سنة الوصل سنة وسنة الهجر سنة وقيل ويوم لا اراك كألف شهر ... وشهر لا اراك كالف عام قال الحافظ آندم كه باتو باشم يكساله هست روزى ... واندم كه بى توباشم يكلحظه هست سالى محن الزمان كثيرة لا تنقضى ... وسروره يأتيك كالاعياد وفى الخبر عن سلمان رضى اللّه عنه قال الليل موكل به ملك يقال له شراهيك فاذا حان وقته اخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب فاذا نظرت اليها الشمس وجبت اى سقطت فى اسرع من طرفة العين وقد امرت ان لا تغرب حتى ترى الخرزة فاذا غربت جاء الليل وقد نشرت الظلمة من تحت جناحى الملك فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيئ ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع فاذا رأتها الشمس طلعت فى طرفة عين وقد امرت ان لا تطلع حتى ترى الخرزة البيضاء فاذا طلعت جاء النهار وقد نشر النور من تحت حناحى الملك فلنور النهار ملك موكل لظلمة الليل ملك موكل عند الطلوع والغروب كما وردت الاخبار ذكره السيوطى فى كتاب الهيئة السنية قال فى كشف الاسرار [ بزركى را برسيدند كه شب فاضلتر باروز جواب دادكه شب فاضلتركه درهمه شب آسايش وراحت بود والراحة من الجنة ودر روز سرور بالنسبة الى العامة ايضا اذا كانت ليلة الافطار فان للصائم فرحة عند ذلك كما ورد فى الحديث [ وبزركى كفت شب حظ مخلصا نست كه عبادت باخلاص كنند ريا دران نه وروز خظ مرائيا نست كه عبادت بريا كنند اخلاص دران نه وحى آمد ببعض انبياكه ] كذب من ادعى محبتى اذا جنة الليل نام عنى أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ها انا مطلع عليكم اسمع وارى وفى التأويلات النجمية { وآية لهم الليل } البشرية { نسلخ منه النهار } الروحانية { فاذا هم مظلمون } بظلمة الخلقية فان اللّه خلق الخلق بظلمة ثم رش عليهم من نوره ٣٨ { والشمس } معطوف على الليل اى وآية لهم الشمس المضيئة المشرقة على صحائف الكائنات كاشراق نور الوجود المطلق الفائض على هياكل الموجودات حسب التجليات الالهية كأنه قيل كيف كانت آية فقيل { تجرى } او حال كونها جارية وسائرة { لمستقر لها } فيه وجوه الاول ان اللام فى لمستقر للتعليل والمستقر اسم مكان اى تجرى لبلوغ مستقر وحد معين ينتهى اليه دورها فى آخر السنة فشبه بمستقر المسافر اذا قطع سيره والثانى ان اللام بمعنى الى والمستقر كبد السماء اى وسطها والمعنى تجرى الى ان تبلغ الى وسط السماء وتستقر فيه شبه بطؤ حركتها فيه بالوقفة والاستقرار والا فلا استقرار لها حقيقة كما قال فى المفردات الزوال يقال فى شئ قد كان ثابتا ومعلوم ان لاثبات للشمس فكيف يقال زوال الشمس فالجواب قالوه لاعتقادهم فى الظهيرة ان لها ثبانا فى كبد السماء وكما قال فى شرح التقويم فان قلت لم سميت السيارة بها وليست السموات بساكنة قلت لسرعة حركتها بالنسبة الى حركة الكواكب الباقية فان حركتها فى غاية البطؤ ولذلك تسمى ثوابت والثالث ان اللام لام العاقبة والمستقر مصدر ميمى اى تجرى بحيث يترتب على جريها استقرارها فى كل برج من البروج الاثنى عشر على نهج مخصوص بان تستقر فى كل برج شهرا ويأخذ الليل من النهار فى نصف الحول والنهار من الليل فى النصف الآخر منه وتبلغ نهاية ارتفاعها فى الصيف ونهاية انحطاطها فى الشتاء ويترتب عليه اختلاف الفصول الاربعة وتهيئة اسباب معاش الارضيات وتربيتها والرابع ان المعنى المنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فان لها فى دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود اليها الى العام القابل فالمستقر اسم زمان اى تجرى الى زمان استقرارها وانقطاع حركتها عند خراب العالم او الى وقت قرارها وتغير حالها بالطلوع من مغربها كما قال ابو ذر رضى اللّه عنه دخلت المسجد ورسول اللّه عليه السلام جالس فلما غابت الشمس قال عليه السلام ( يا ابا ذر أتدرى اين تذهب هذه الشمس ) فقلت اللّه ورسوله اعلم فقال ( تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك ان تسجد ولا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله والشمس تجرى لمستقر لها ) وفهم من الحديث ان المستقر ايضا تحت العرش والمراد بالسجدة الانقياد ويجوز ان تكون على حقيقتها فان اللّه تعالى قادر على ان يخلق فيها حياة وادراكا يصح معهما سجدتها كما سبق نظائرها قال بعض العارفين تسجد بروحها عند العرش كما تسجد الروح عند النوم اذا باتت على طهارة قال امام الحرمين وغيره من الفضلاء لاخلاف ان الشمس تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين والليل يطول عند قوم ويقصر عند قوم آخرين وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار وسطها ارفع ولذلك سموا الجزيرة التى هى وسط الارض كلها المستوى فيها الليل والنهار قبة الارض وحول الارض البحر الاعظم المحيط فيه ماء غليظ منتن لا تجرى فيه المراكب وحول هذا البحر جبل قاف خلق من زمرد اخضر وسماء الدنيا مقبية عليه ومنه خضرتها وسئل الشيخ ابو حامد رضى اللّه عنه عن بلاد بلغار كيف يصلون لان الشمس لا تغرب عندهم الا مقدار ما بين المغرب والعشاء ثم تطلع فقال يعتبر صومهم وصلاتهم باقرب البلاد اليهم والاصح عند اكثر الفقهاء انهم يقدرون الليل والنهار ويعتبرون بحسب الساعات كما قال عليه السلام فى حق الدجال ( يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة فيقدر الصلاة والصيام فى زمنه ) { ذلك } الجرى البديع المنطوى على الحكم العجيبة التى تتحير فى فهمها العقول والافهام { تقدير العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور { العليم } المحيط علمه بكل معلوم قال فى المفردات التقدير تبيين كمية الشئ وتقدير اللّه الاشياء على وجهين احدهما باعطاء القدرة . والثانى ان يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضته الحكمة وذلك ان فعل اللّه ضربان ضرب اوجده بالفعل ومعنى ايجاده بالفعل اظهاره . وضرب اجراه بالقوة وقدره على وجه لا يتأتى غير ما قدر فيه كتقديره فى النواة ان ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون وتقدير منى الآدمى ان يكون منه الانسان دون سائر الحيوانات فتقدير اللّه على وجهين . احدهما بالحكم منه ان يكون كذا ولا يكون كذا اما على سبيل الوجوب واما على سبيل الامكان . والثانى باعطاء القدرة عليه وفى الآية اشارة الى شمس نور اللّه فانها { تجرى لمستقر لها } وهو قلب استقر فيه رشاش نور اللّه { ذلك } المستقر { تقدير العزيز } الذى لا يهتدى اليه احد الابه { العليم } الذى يعلم حيث يجعل رسالته فليس كل قلب مستقرا لذلك النور فلا بد من التهيئة والتصقيل الى ان يتلطف ويزول منه كل ثقيل مما يتعلق بظلمات الكون والفساد كوهر انواررا دلهاى باك آمد صدف ... ٣٩ { والقمر قدرناه } بالنصب باضمار فعل يفسره الظاهر كما فى زيدا ضربته اى وقدرنا القمر قدرناه اى قدرنا له وعينا { منازل } وهى ثمان وعشرون مقسومة على الاثنى عشر برجا كما استوفينا الكلام عليها فى اوائل سورة يونس ينزل القمر كل ليلة فى واحدة من تلك المنازل لا يتخطاها ولا يتقاصر عنها فاذا كان فى آخر منازله دق واستقوس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين او ليلة ان كان تسعة وعشرين وقد صام عليه السلام ثمانية او تسعة رمضانات خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقى ثلاثين وقد قال عليه السلام ( شهرا العيد لا ينقصان ) اى حكمهما اذا كانا تسعا وعشرين مثل حكمهما اذا كانا ثلاثين فى الفضل وقد صح ان دور هذه الامة هو الدور القمرى العربى الذى حسابه مبنى على الشهر لا الدور الشمسى الذى مبنى حسابه على الايام { حتى عاد } [ تاعود كرد ماه ] قال ابن الشيخ حتى صار القمر فى آخر الشهر واول الشهر الثانى فى دقته واستقواسه واصفراره { كالعرجون } فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج وهو عود العذق ما بين شماريخه الى منبته من النخلة . والعذق بالكسر فى النخل بمنزلة العنقود فى الكرم بالفارسية [ خوشه خرما ] . والشماريخ جمع شمراخ او شمروخ ما عليه البسر من العيدان { القديم } العتيق فاذا قدم وعتق دق وتقوس واصفر شبه به القمر فى آخر الشهر فى هذه الوجوه الثلاثة اى فى عين الناظر وان كان فى الحقيقة عظيما بنفسه فالقديم ما تقادم عهده بحكم العادة ولا يشترط فى اطلاق لفظ القديم عليه مدة بعينها اذ يقال لبعض الاشياء قديم وان لم يمض عليه حول وقيل اقل هذا القديم الحول فمن حلف كل مملوك قديم لى فهو حر عتق من مضى عليه الحول قال فى كشف الاسرار [ ازروى حكمت كفته اندكه زيادت ونقصان ماه از آنست كه درابتداى آفرينش نور او بركمال بود بخود نظرى كرد عجبى دروى ييدا شد رب العزة جبريل را فرمود تابرخويش بروى ماه زد وآن نور ازوى بستاد ابن عباس رضى اللّه عنهما كفت آن خطها كه برروى ماه مى بينيد نشان بر جبرائيل اسن نور از وى بست اما نقش برجاى بماند ونقش كلمة توحيداست برييشانى ماه نبشت ( لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه ) ياخود حروفى كه ازان اسم جميل حاصل ميشود جون نور ازماه بستدند اورا از خدمت دركاه منع كردند ماه ازفر شتكان مدد خواست تا از بهروى شفاعت كردند كفتند بار خدايا ماه درخدمت دركاه عزت خوى كرده هيج روى آن دارد كه بيكباركى اورا مهجور كنى رب العزه شفاعت ايشان قبول كرد واورا دستورى داد تاهر ماهى بيكبار سجود كند درشب جارده اكنون هرشب كه برآيد نورش بكمال رسد بازجون از جهارده در كذرد هرشب در نوروى نقصان مى آيد ازبساط خدمت دورتر مى كردد ] وقيل شبيه الشمس عبد يكون ابدا فى ضياء معرفته وهو صاحب تمكين غير متلون اشرقت شمس معرفته من بروج سعادته دائما لا يأخذه كسوف ولا يستره حجاب. وشبيه القمر عبد تكون احواله فى التنقل وهو صاحب تلوين له من البسط ما يرقيه الى حد الوصال ثم يرد الى الفترة ويقع فى القبض مما كان به من صفاء الحال فيتناقص ويرجع الى نقصان امره الى ان يرفع قلبه من وقته ثم يجود عليه الحق فيوفقه لرجوعه عن فترته وافاقته من سكرته فلا يزال يصفو حاله الى ان يقرب من الوصال ويرتقى الى ذروة الكمال فعند ذلك يقول بلسان الحال ما زلت انزل من ودادك منزلا تتحير الالباب عند نزوله وفى التأويلات النجمية وبقوله { والقمر قدرناه منازل } يشير الى قمر القلب فان القلب كالقمر فى استفادة النور من شمس الروح اولا ثم من شمس شهود الحق تعالى ثانيا وله ثمانية وعشرون منزلا على حسب حروف القرآن كما ان للقمر ثمانية وعشرون منزلا فالقلب ينزل فى كل حين منها بمنزل وهذه اسماؤها الالفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين فاذا صار الى آخر منازله فقد تخلق بخلق القرآن واعتصم بحبل اللّه وله آن ان يعتصم باللّه ولهذا قال اللّه تعالى لنبيه فى قطع منازل العبودية { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ويقال للمؤمن فى الجنة اقرأ وارق يعنى اقرأ القرآن وارتق فى مقامات القرب وبقوله { حتى عاد كالعرجون القديم } يشير الى سير قمر القلب فى منازله فاذا الف الحق تعالى فى اول منزله ثم بر بالايمان والعمل الصالح ثم تاب وتوجه الى الحضرة ثم ثبت على تلك التوبة جعل له الجمعية مع اللّه فيستنير قمر قلبه بنور ربه حتى يصير بدرا كاملا ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلا كلما ازداد دنوه من الشمس ازداد فى نفسه نقصانا الى ان يتلاشى ويخفى ولا يرى له اثر وهذا مقام الفقر الحقيقى الذى افتخر به النبى صلّى اللّه عليه وسلّم فى قوله ( الفقر فخرى ) لانه عليه السلام كلما ازداد دنوه الى الحضرة ليلة المعراج ازداد فى فقره عن الوجود كما اخبر اللّه تعالى عنه بقوله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسيثن او ادنى } كمل ههنا فقره عن الوجود فوجده اللّه تعالى عائلا فاغناه بجوده انتهى واعلم ان القمر مرآة قابلة لان تكتسب النور من قرص الشمس حسب المحاذاة بينهما ولما كان دور الشمس بطيئا كان ظهور اثرها دائرا على حصول الفصول الاربعة التى هى الربيع والصيف والخريف والشتاء ولما كان دور القمر سريعا كان ظهورا اثره فى الكون سريعا والى القمر ينظر القلب فى سرعة الحركة ولهذا السر اسكن اللّه آدم فى فلك القمر لمناسبة باطنه به فى سرعة حركاته وتقلباته. ثم ان القمر مرئى مدرك واما الشمس فى اشراقها واضاءتها وتلألؤ شعاعها لا تدرك كيفيتها وكميتها على ما هى عليه من تمنعها وامتناعها واحتيج الى طريق يتوصل به الى ابصارها بقدر الوسع فافادت الفكرة الخبرة أن يأخذ الانسان كثيفا ويملأه ماء صافيا نظيفا ويضعه فى مقابلة الشمس لتنعكس صورة من الشمس فى الماء فيلاحظ الانسان الشمس بغير دفع تلألؤ الاضواء ويراها فى اسفل قعر الاناء فان اللطيف من شأنه القبول والكثيف من شأنه الامساك فقبل الماء وامسك الاناء وهذا تدبير من يريد ابصار الشمس الظاهرة بمقلته الباصرة فاذا كان الشمس الظاهرة المتناهية لا يدرك عكسها بالاستعدادات السابقة والتدبيرات اللاحقة فما ظنك بشمس عالم الاحدية الالهية الربوبية الغير المتناهية وان نسبتها اليه فى الانارة والاضاءة والظهور والاظهار ودفع انوار العظمة ليست الا كذرّة فى الآفاق والسبع الطباق او كقطرة بالنسبة الى البحار الزاخرة او كجزء لا يتجزأ بالنسبة الى الدنيا والآخرة سبحان اللّه وله المثل الاعلى فى الارض والسماء فاذا عرفت هذا المثال عرفت حال القلب مع شمس الربوبية وانعكاس نورها فيه : قال الشيخ المغربى قدس سره نخست ديده طلب كنه بسى آنكهى ديدار ... از آنكه يار كند جلوه بر اولو الابصار ترا كه جشم نباشد جه حاصل از شاهد ... ترا كه كوش نباشد جه سود از كفتار اكرجه آينة دارى از براى رخش ... ولى جه سود كه دارى هميشه آينه تار بيا بصيقل توحيد زآينه بزدآى ... غبار شرك كه تا باك كردد از زنكار وقال ايضا كجا شود بحقيقت عيان جمال حقيقت ... اكر مظاهر وآينة مجاز نباشد مجوى دردل ما غير دوست زانكه نيابى ... از آنكه در دل محمود جز اياز نباشد به ييش عقل مكه قصهاى عشق كه آنرا ... قبول مى نكند آنكه عشقباز نباشد ٤٠ { لا الشمس ينبغى لها } هو ابلغ من لا ينبغى للشمس كما ان انت لا تكذب بتقديم المسند اليه آكد من لا تكذب انت لاشتمال الاول على تكرر الاسناد . ففى ذكر حرف النفى مع الشمس دون الفعل دلالة على ان الشمس مسخرة لايتيسر لها الا ما اريد بها وقدر لها وينبغى من الانفعال وثلاثية بغى يبغى بمعنى طلب تجاوز الاقتصار فيما يتحرى تجاوزه او لم يتجاوز واما استعمال انبغى ماضيا فقليل قال فى كشف الاسرار يقال بغيت الشئ فانبغى لى اى استسهلته فتسهل لى وطلبته فتيسر لى والمعنى لا الشمس يصح لها ويتسهل : وبالفارسية [ نه آفتاب سزد مرورا وشايد ] { ان تدرك القمر } فى سرعة سيره فان القمر اسرع سيرا حيث يقطع فلكه ويدور فى منازله الثمانى والعشرين فى شهر واحد بخلاف الشمس فانها ابطأ منه حيث لا تقطع فلكها ولا تدور فى تلك المنازل المقسومة على الاثنى عشر برجا الا فى سنة فيكون مقام الشمس فى كل منزلة ثلاثة عشر يوما فهى لا تدرك القمر فى سرعة سيره فانه تعالى جعل سيرها ابطأ من سير القمر واسرع من سير زحل وهو كوكب السماء السابعة وذلك لان الشمس كاملة النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زمانا كثيرا فى مسامتة شئ واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث فى بقعة واحدة بقدر ما يخرج النبات من الارض والاوراق والثمار من الاشجار وبقدر ما ينضج الثمار والحبوب ويجف فلو ادركت القمر فى سرعة سيره لكان فى شهر واحد صيف وشتاء فيختل بذلك احكام الفصول وتكوّن النبات وتعيش الحيوان ويجوز ان يكون المعنى ليس للشمس ان تدرك القمر فى آثاره ومنافعه مع قوة نورها واشراقها فان لكل واحد منهما آثارا ومنافع تخصه وليس للآخر ان يدركه فيها كما قالوا الثمرة تنضجها الشمس ويلونها ويعطيها الطعم الكوكب وقالوا ان سهيلا وهو كوكب يمنىّ يعطى الحجر اللون الاحمر فيصير عقيقا . ويجوز ان يكون معى ان تدرك القمر اى فى مكانه فان القمر فى السماء الدنيا والشمس فى السماء الرابعة فهى لا تدركه فى مكانه ولا يجتمعان فى موضع اولا تدركه فى سلطانه اى نوره الذى هو برهان لوجوده فان نوره انما يكون بالليل فليس للشمس ان تجامعه فى وقت من اوقات ظهور سلطانه بان تطلع بالليل فتطمس نوره فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار ولو ادركت الشمس القرم لذهب ضوءه وبطل سلطانه ودخل النهار على الليل وفى بعض التصاوير لا ينبغى للشمس ان تدرك سلطان القمر فتراه ناقصا وذلك ان اللّه تعالى لما قبض نور القمر سأله القمران لا ترى الشمس نقصانه وقال بعض الكبار جعل اللّه شهورنا قمرية ولم يجعلها شمسية تنبيها من اللّه تعالى للعارفين من عباده ان آية القمر بمحوه عن العالم الظاهر لمن اعتبر فى قوله تعالى وتدبر { لا الشمس ينبفى لها ان تدرك القمر } اى فى علو المرتبة والشرف فكان ذلك تقوية لكتم آياتهم التى اعطاها للمحمديين العربيين واجراها واخفاها فيهم يعنى ان آيات المحمدين ليست بظاهرة فى ظواهرهم غالبا كآية القمر وستظهر كراماتهم فى الآخرة التى هى آثار ما فى بواطنهم من العلوم والكشوف والحقائق والخوارق { ولا الليل سابق النهار } اى ولا الليل يسبق النهار فيعجزه من ان ينتهى اليه ويجيئ الليل بعده ولكن الليل يعاقب النهار ويناوبه وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران وبالسبق سبق القمر الى سلطان الشمس فى محو نورها فيكون عكسا للاول فالمعنى لا يصح للقمر ايضا ان يطلع فى وقت ظهور سلطان الشمس وضوئها ب حيث يغلب نورها ويصير الزمان كله ليلا فهما يسيران الدهر ولا يدخل احدهما على الآخر ولا يجتمعان الا عند ابطال اللّه هذا التدبير ونقض هذا التأليف وتطلع الشمس من مغربها ويجتمع معها القمر كما قال تعالى { وجمع الشمس والقمر } وذلك من اشراط الساعة فان قلت اذا كان هذا عكس ما ذكر قبله كان المناسب ان يقال ولا الليل مدرك النهار قلت ايراد السبق مكان الادراك لانه الملائم لسرعة سيره وفيه اشارة الى انه كما لا يصير القمر شمسا والشمس قمرا فكذلك قمر القلب بتوجهه الى شمس شهود الحق يتنور بنورها كما قال تعالى { واشرقت الارض بنور ربها } ولكنه لا يصير الرب تعالى عبدا ولا العبد ربا فان للرب الربوبية وللعبد العبودية تعالى اللّه عما يقول اصحاب الحلول وارباب الفضول { وكل } اى وكلهم على ان التنوين عوض عن المضاف اليه الذى هو الضمير العائد الى الشمس والقمر والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطلعهما فان اختلاف الاحوال يوجب تعددا ما فى الذات او الى الكواكب فان ذكرهما مشعر بها { فى فلك } مخصوص معين من الافلاك السبعة وفى بحر العلوم فى جنس الفلك كقولهم كساهم الامير حلة يريدون كساهم هذا الجنس والفلك مجرى الكواكب ومسيرها وتسميته بذلك لكونه كالفلك كما فى المفردات والجار متعلق { يسبحون } السبح المر السريع فى الماء او فى الهواء واستعير لمر النجوم فى الفلك كما فى المفردات وقال فى كشف الاسرار السبح الانبساط فى السير كالسباحة فى الماء وكل من انبسط فى شئ فقط سبح فيه والمعنى يسيرون بانبساط وسهولة لامزاحم لهم سير السابح فى سطح الماء واخرج السيوطى فى كتاب الهيئة السنية خلق اللّه بحرا دون السماء جاريا فى سرعة السهم قائما فى الهواء بامر اللّه تعالى لا يقطر منه قطرة يجرى فيه الشمس والقمر والنجوم فذلك قوله تعالى { وكل فى فلك يسبحون } والقمر يدور دوران العجلة فى لجة غمر ذلك البحر فاذا احب اللّه ان يحدث الكسوف حرف الشمس عن العجلة فتقع فى غمر ذلك البحر ويبقى سائرا على العجلة النصف او الثلث او ما شاء الرب تعالى للحكمة الربانية واقتضاء الاستعداد الكونى قال المنجمون قوله تعالى { يسبحون } يدل على ان الشمس والقمر والكواكب السيارة احياء عقلاء لان الجمع بالواو والنون لا يطلق على غير العقلاء وقال الامام الرازى ان ارادوا القدر الذي يصح به التسبيح فنقول به لان كل شئ يسبح بحمده وان ارادوا شيأ آخر فذلك لم يثبت والاستعمال لا يدل عليه كما فى قوله تعالى فى حق الاصنام { ما لكم لا تنطقون } وقوله { ألا تأكلون } وقال الامام النسفى جمع يسبحون بالواو والنون لانه تعالى وصفها بصفات العقلاء كالسباحة والسبق والادراك وان لم يكن لها اختيار فى افعالها بل مسخرة عليها يفعل بها ذلك تجبرا يقول الفقير هنا وجه آخر هو ان صيغة العقلاء باعتبار مبادى حركات الافلاك والنجوم فان مبادى حركاتها جواهر مجردة عن مواد الافلاك فى ذواتها ومتعلقة بها فى حركاتها ويقال لتلك الجواهر النفوس الفلكية على انه ليس عند اهل اللّه شئ خال عن الحياة فان سرّ الحياة سار فى جميع الاشياء ارضية كانت او سماوية لا سيما الشمس والقمر اللذان هما عينا هذا التعين الكونى جملة ذرات زيمن وآسمان ... مظهر سرّ حياتست اى جوان كى تواند يافتن آنرا خرد ... هست اوسرى خرد كى بى برد نسأل اللّه تعالى حقيقة الادراك والحفظ عن الزلق والهلاك |