Sayfayı Yeni Pencerede Aç

Geri

 

الجزء :

٢

 

﴿ سُورَةُ الْبَقَرَةِ / ٢ ﴾

 

الصحيفة :

٣٠

 

İleri

Ana Sayfa (Kur'an-ı Kerim) Yeni Pencere

 

 

 

 

 

 

 

 

 

١٩٧

{الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ياأولي الألباب}.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه

أحدها: التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وهو كقولهم: البرد شهران، أي وقت البرد شهران

والثاني: التقدير الحج حج أشهر معلومات، أي لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر

الثالث: يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم: ليل قائم، ونهار صائم.

المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن شوالا وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة، فقال عروة بن الزبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك رحمه اللّه تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه: الشعر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن، وقال الشافعي رضي اللّه عنه: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج، حجة مالك رضي اللّه عنه من وجوه

الأول: أن اللّه تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة.

الحجة الثانية: أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن

الأول: من وجهين

أحدهما: أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله: {فقد صغت قلوبكما} (التحريم: ٤)

والثاني: أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن

الثاني: أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء،

وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج، فقد تمسكوا فيه بوجهين

الأول: أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر

والثاني: أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة،

وأما الشافعي رضي اللّه عنه فإنه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها، فهذا تقرير هذه المذاهب.

بقي ههنا إشكالان

الأول: أنه تعالى قال من قبل: {يسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج} (البقرة: ١٨٩) فجعل كل الأهلة مواقيت للحج

الثاني: أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص

والجواب من الأول: أن تلك الآية عامة، وهذه الآية وهي قوله: {الحج أشهر معلومات} خاصة والخاص مقدم على العام

وعن الثاني: أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: {معلومات} فيه وجوه

أحدها: أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدةفي أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مرارا، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقررا له

الثاني: أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام

الثالث: المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، لا كما يفعله الذين نزل فيهم {إنما النسىء زيادة فى الكفر} (التوبة: ٣٧).

المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي اللّه عنه: لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي اللّه عنهم: لا يجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي اللّه عنه قوله: {الحج أشهر معلومات} وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير، فلا يتناول الكل، وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، فثبت أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة: شوال، وذو القعدة، وبعض من ذي الحجة، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يجوز الإحرام بالحج قبل الوقت، ويدل عليه ثلاثة أوجه

الأول: أن الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا على الصلاة

الثاني: أن الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر، حكما فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى

الثالث: أن الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحا لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء، حجة أبي حنيفة رضي اللّه عنه وجهان

الأول: قوله تعالى: {ويسئلونك عن * الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج} (الحج: ١٨٩) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وهي ليست بمواقيت للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام، ويجوز أن يسمى الإحرام حجا مجازا كما سمي الوقت حجا في قوله: {الحج أشهر معلومات} بل هذا أولى لأن الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت.

والحجة الثانية: أن الإحرام التزام للحج، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر.

والجواب عن الأول: أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها.

والجواب عن الثاني: أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر للأداء والاتصال للنذر بالاداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ

وأما الإحرام فإنه مع كونه التزاما فهو أيضا شروع في الأداء وعقد عليه، فلا جرم افتقر إلى الوقت.

وقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} فيه مسألتان:

المسألة الأولى: معنى {فرض} في اللغة ألزم وأوجب، يقال: فرضت عليك كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع، قال ابن الأعرابي: الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره، وفرضة القوس، الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الوتد الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة وغيرها، لأنها لازمة للعبد، كلزوم الحز للقدح، ففرض ههنا بمعنى أوجب، وقد جاء في القرآن: فرض بمعنى أبان، وهو قوله: {سورة أنزلناها وفرضناها} (النور: ١) بالتخفيف، وقوله: {قد فرض اللّه لكم تحلة أيمانكم} (التحريم: ٢) وهذا أيضا راجع إلى معنى القطع، لأن من قطع شيئا فقد أبانه من غيره واللّه تعالى إذا فرض شيئا أبانه عن غيره، ففرض بمعنى أوجب، وفرض بمعنى أبان، كلاهما يرجع إلى أصل واحد.

المسألة الثانية: اعلم أن في هذه الآية حذفا، والتقدير: فمن ألزم نفسه فيهن الحج، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرما إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجا إلا بفعل يفعله، فيخرج عن أن يكون حلالا ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرما، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضا سميت البقعة حرما لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله لأجله يصير حاجا ومحرما، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو؟ قال الشافي رضي اللّه عنه: أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى، قال القفال رحمه اللّه في "تفسيره": يروى عن جماعة أن من أشعر هديه أو قلده فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم، وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم، حجة الشافعي رضي اللّه عنه وجوه:

الحجة الأولى: قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي فإنه لا إشعار ألبتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج، بدليل قوله تعالى: {فلا رفث} فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.

الحجة الثانية: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "وإنما لكل امرىء ما نوى".

الحجة الثالثة: القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم، حجة أبي حنيفة رضي اللّه عنه وجهان

الأول: ما روى أبو منصور الماتريدي في "تفسيره" عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل أو لبى

الثاني: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة.

وأما قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {فلا رفث ولا فسوق} بالرفع والتنوين {ولا جدال} بالنصب، والباقون قرؤا الكل بالنصب.

واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقا بمقدمتين الأولى: أن كل شيء له اسم، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى، فقولك: رجل يفيد الماهية المخصوصة، وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل، والصفة بإزاء الصفة، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال: رحل جدار حجر، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خاليا عن الحركات، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون.

المقدمة الثانية: إذا قلت: لا رجل بالنصب، فقد نفيت الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعا،

أما إذا قلت: لا رجل بالرفع والتنوين، فقد نفيت رجلا منكرا مبهما، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك: لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك: لا رجل بالرفع والتنوين.

إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول:

أما الذين قرؤا ثلاثة: بالنصب فلا إشكال

وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر اللّهوالمجادل لا ينقاد للحق، وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملا على جميع أنواع القبح لا جرم خصه اللّه تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي،

أما المفسرون فإنهم قالوا: من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء الجدال، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي.

المسألة الثانية:

أما الرفث فقد فسرناه في قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (البقرة: ١٨٧) والمراد: الجماع، وقال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع، وهؤلاء قالوا: التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثا، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره وهو محرم ويقول:

( وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا )

فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء،

وقال آخرون: الرفث هو قول الخنا والفحش، واحتج هؤلاء بالخبر واللغة

أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" ومعلوم أن الرفث ههنا لا يحتمل إلا قول الخنا والفحش،

وأما اللغة فهو أنه روى عن أبي عبيد أنه قال: الرفث الإفحاش في المنطق، يقال أرفث الرجل إرفاثا، وقال أبو عبيدة: الرفث اللغو من الكلام.

أما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق يفسق، وقد ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا: لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} (الكهف: ٥٠) وبقوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (الحجرات: ٧).

وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها:

الأول: المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر،

أما القرآن فقوله تعالى: {ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان} (الحجرات: ١١)

وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلمفسوق وقتاله كفر"

والثاني: المراد منه الإيذاء والإفحاش، قال تعالى: {لا * يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} (البقرة: ٢٨٢)

والثالث: قال ابن زيد: هو الذبح للأصنام فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج، ولأجل الأصنام، وقال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه وإنه لفسق} (الأنعام: ١٢١) وقوله: {أو فسقا أهل لغير اللّه به} (الأنعام: ١٤٥)

والرابع: قال ابن عمر: إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه والخامس: أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا والسادس: قال محمد بن الطبري: الفسوق، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته.

وأما الجدال فهو فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي من القتل، يقال: زمام مجدول وجديل، أي مفتول، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا مفتولا، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيهوذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال.

فالأول: قال الحسن: هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل.

والثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى، قال بعضهم: حجنا أتم، وقال آخرون: بل حجنا أتم، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك.

والثالث: قال مالك في "الموطأ" الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، قال اللّه تعالى:

{لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم * وإن جادلوك فقل اللّه أعلم بما تعملون}الحج: ٦٧ ـ ٦٨) قال مالك هذا هو الجدال فيما يروى واللّه أعلم.

والرابع: قال القاسم بن محمد: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج اليوم، وآخرون يقولون: بل غدا، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب

الشهور على رؤية الأهلة، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا يختلفون فبعضهم يقول: هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول: بل غدا، فاللّه تعالى نهاهم عن ذلك، فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة مواقيت للناس والحج، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة.

الخامس: قال القفال رحمه اللّه تعالى: يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وتركوا الجدال حينئذ.

السادس: قال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

السابع: أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم: لا جدال في الحج فإن الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات والأرض" فهذا مجموع ما قاله المفسرون في هذا الباب.

وذكر القاضي كلاما حسنا في هذا المواضع فقال: قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} يحتمل أن يكون خبرا وأن يكون نهيا كقوله: {لا ريب فيه} آل عمران: ٩) أي لا ترتابوا فيه، وظاهر اللفظ للخبر فإذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه يفسد الحج، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفرا فلا يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر اللّه بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج،

فإن قيل: أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحج فاسدا ويجب على صاحبه المضي فيه، وإذا كان الحج باقيا معها لم يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج،

قلنا: المراد من الآية حصول المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر اللّه تعالى بها ابتداء وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها، والحجة الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي أمر اللّه تعالى بها ابتداء،

وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام فثبت أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه

أما إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أنواعه، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون النهي عنها نهيا عن جميع أقسامها، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث على الأخلاق الجميلة، والتمسك بالآداب الحسنة، والاحتراز عما يحبط ثواب الطاعات.

المسألة الثالثة: الحكمة في أن اللّه تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة، أعني الشهوانية، والغضبية، والوهمية، فقوله {فلا رفث} إشارة إلى قهر الشهوانية، وقوله: {ولا فسوق} إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله: {ولا جدال} إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات اللّه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} أي فمن قصد معرفة اللّه ومحبته والاطلاع على نور جلاله، والانخراط في سلك الخواص من عباده، فلا يكون فيه هذه الأمور، وهذه أسرار نفسية هي المقصد الأقصى من هذه الآيات، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلا عنها، ومن اللّه التوفيق في كل الأمور.

المسألة الرابعة: من الناس من عاب الإستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه

أحدها: أنه تعالى قال: {ولا جدال في الحج} وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلا إلى معرفة اللّه تعالى لما نهى عنه في الحج، بل على ذلك التقدير كان الإشتغال بالجدال في الحجضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه

وثانيها: قوله تعالى: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} (الزخرف: ٥٨) عابهم بكونهم من أهل الجدل، وذلك يدل على أن الجدل مذموم،

وثالثها: قوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} (الأنفال: ٤٦) نهى عن المنازعة.

وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا: الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن} (النحل: ١٢٥) وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام: {قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} (هود: ٣٢) ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين.

إذا ثبت هذا فنقول: لا بد من التوفيق بين هذه النصوص، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل اللّه، والذب عن دين اللّه تعالى.

أما قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه * للّه *وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} (البقرة: ١٩٧) فاعلم أن اللّه تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة، فقال: {وأتموا الحج والعمرة * للّه} (البقرة: ١٩٦) وقال: {فمن فرض فيهن الحج} ونهى عما هو شر ومعصية فقال: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ثم عقب الكل بقوله: {وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه} وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال: وما تفعلوا من شيء يعلمه اللّه، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه اللّه لفوائد ولطائف

أحدها: إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا، فكيف في العقبى

وثانيها: أن من المفسرين من قال في تفسير قوله: {إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها} (طه: ١٥) معناه: لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية، كأنه قيل للعبد: ما تفعله من خير علمته،

وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك

وثالثها أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه، كان هذا وعدا له بالثواب العظيم، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعدا بالعقاب الشديد، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب

ورابعها: أن جبريل عليه السلام لما قال: ما الإحسان؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذا به وأقل نفرة عنه

وخامسها: أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله: {وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه}.

أما قوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ففيه قولان

أحدهما: أن المراد: وتزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: {فإن خير الزاد التقوى} وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران:سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضا من زاد، وهو معرفة اللّه ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه

الأول: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن

وثانيها: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم

وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال

ورابعها: أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول

وخامسها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية، فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى:

( إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيث بعد الموت من قد تزودا )

( ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا )

والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم، فأمرهم اللّه تعالى أن يتزودوا فقال: وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد: أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت.

وروى محمد بن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي: وهذا بعيد لأن قوله: {فإن خير الزاد التقوى} راجع إلى قوله: {وتزودوا} فكان تقديره: وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان

أحدهما: أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى اللّه في ذلك، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية

والثاني: أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد: وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى.

أما قوله تعالى: {واتقون} ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إن قوله: {واتقون} فيه تنبيه على كمال عظمة اللّه وجلاله وهو كقول الشاعر:

( أنا أبو النجم وشعري شعري )

المسألة الثانية: أثبت أبو عمرو الياء في قوله: {واتقون} على الأصل، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسر عليه.

أما قوله تعالى: {واتقون يأولي الالباب} فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه، ثم اختلفوا بعد ذلك،فقال بعضهم: إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين، وشر الشرين، وقال آخرون: أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى: {إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: ٣٧) فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل، فقوله: {واتقون يأولي الالباب} معناه: يا أولي العقول، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية: فلان له نفس، ولمن ليس له حمية: فلان لا نفس له فكذا ههنا.

فإن قيل: إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله: {واتقون يأولي الالباب}.

قلنا: معناه: إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح، ولهذا قال الشاعر:

( ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام )

ولهذا قال تعالى: {أولئك كالانعام بل هم أضل} (الأعراف: ١٧٩) يعني الأنعام معذورة بسبب العجز،

أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش، فلا جرم كانوا أضل.

١٩٨

{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضآلين}.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الآية حذف والتقدير: ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلا واللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن الشبهة كان حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه:

أحدها: أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج

وثانيها: أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة اللّه تعالى، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية

وثالثها: أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سببا لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سببا لحرمة التجارة مه قلة الحاجة إليها كان أولى

ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلا عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج، فلهذا السبب بين اللّه تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة، فإذا عرفتهذا فنقول: المفسرون ذكروا في تفسير قوله: {أن تبتغوا فضلا من ربكم} وجهين

الأول: أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى} (المزمل: ٢٠)

وقوله: {جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان

الأول: ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ: {أن تبتغوا فضلا من ربكم * فى * العقاب * الحج}

والثاني: الروايات المذكورة في سبب النزول.

فالرواية الأولى: قال ابن عباس: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج: الداج ويقولون: هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج: المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع، فأزال اللّه تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا جناح في التجارة، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها أيضا في الحج، وهو قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره.

والرواية الثانية: ما روي عن ابن عمر أن رجلا قال له إنا قوم نكري وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله: {ليس عليكم جناح} فدعاه وقال: أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت ردا على من يقول: لا حج للتجار والأجراء والجمالين.

والرواية الثالثة: أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن، فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية.

والرواية الرابعة: قال مجاهد: إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولامنى، فنزلت هذه الآية.

إذا ثبت صحة هذا القول فنقول: أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج،

وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال والتقدير: فاتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} ونظيره قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل اللّه} (الجمعة: ١٠).

واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه

أحدها: الفاء في قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج

وثانيها: أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لاعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة في زمن الحج، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة.

أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة

فجوابه: أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها،

وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجا لا يقال: بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية، لأنا نقول: هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطا.

القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: {أن تبتغوا فضلا من ربكم} هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجا أعمالا أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل اللّه ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله: لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات.

والجواب: لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة} (النساء: ١٠١) والقصر بالإتفاق من المندوبات، وأيضا فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللا في الحج ونقصا فيه، فبين اللّه تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله: {لا * يتلو عليكم} (الممتحنة).

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصانا في الطاعة لم تكن مباحة،

أما إن لم توقع نقصانا ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها، لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين} (البنيه: ٥) والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن اللّه تعالى: "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص.

قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} فيه مسائل:

المسألة الأولى: الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جمعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى: {إذ تفيضون فيه} (يونس: ٦١) ومنه يقال للناس: فوض، وأيضا جمعهم فوضى ويقال: أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق.

فقوله تعالى: {أفضتم} أي دفعتم بكثرةوأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا وصبوا، وفي حديث أبي بكر رضي اللّه عنه: ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه.

المسألة الثانية: {عرفات} جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير: كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات،

فإن قيل: هلا منعت من الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث

قلنا: هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منه مسماة بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن علما ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف.

المسألة الثالثة: اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوها

أما يوم التروية ففيه قولان

أحدهما: من روي يروي تروية، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته

والثاني: من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش

أما الأول: ففيه ثلاثة أقوال

أحدها: أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر فقال: رب إن لكل عامل أجرا فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك، قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به، قال: زدني قال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك، قال: حسبي يا رب حسبي

وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكرا هل هذا من اللّه تعالى أو من الشيطان؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك

وثالثها: أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات.

أما القول الثاني: وهو اشتقاقه من تروية الماء، ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم

والثاني: أنهم يتزودون الماء إلى عرفة

والثالث: أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة اللّه فشربوا منها حتى رووا،

وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى: {والشفع والوتر} (الشفع: ٣) عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة، والوتر يوم النحر، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان" وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من صام يوم التروية أعطاه اللّه مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه اللّه تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام".

وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء، خمسة منها مختصة به، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره،

أما الخمسة الأولى

فأحدها: عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه مشتق من المعرفة، وفيه ثمانية أقوالالأول: قول ابن عباس: إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى اليوم عرفة، والموضع عرفات، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بنيسان، والحية بأصفهان، فلما أمر اللّه تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا

وثانيها: أن آدم علمه جبريل مناسك الحج، فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال نعم، فسمى عرفات

وثالثها: قول علي وابن عباس وعطاء والسدي: سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة

ورابعها: أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له: أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف؟ قال نعم

وخامسها: أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات

وسادسها: ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام

وسابعها: أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا

وثامنها: أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.

القول الثاني: في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال اللّه سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما.

والقول الثالث: أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} (محمد: ٦) أي طيبها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند اللّه تعالى رائحة طيبة،

قال عليه الصلاة والسلام: "خلوف فم الصائم عند اللّه أطيب من ريح المسك"

الثاني: يوم إياس الكفار من دين الإسلام

الثالث: يوم إكمال الدين

الرابع: يوم إتمام النعمة

الخامس: يوم الرضوان، وقد جمع اللّه تعالى هذه الأشياء في أربع آيات، في قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} (المائدة: ٣) الآية، قال عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية عرفة، وكان يوم الجمعة والنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام، وذلك في حجة الوداع، وقد اضمحل الكفر، وهدم بنيان الجاهلية، فقال عليه الصلاة والسلام: "لو يعلم الناس ما لهم في هذه الآية لقرت أعينهم" فقال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا فقال عمر:

أما نحن فجعلناه عيدين، كان يوم عرفة ويوم الجمعة فأما معنى: إياس المشركين: فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم، فأما معنى إكمال الدين فهو أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع،

وأما إتمام النعمة فأعظم النعم نعمة الدين، لأن بها يستحق الفوز بالجنة والخلاص من النار، وقد تمت في ذلك اليوم وكذلك قال في آية الوضوء {وليتم نعمته عليكم لعلكم * تشركون} (المائدة: ٦) ولما جاء البشير وقدم

على يعقوب، قال: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على دين الإسلام قال: الآن تمت النعمة،

وأما معنى الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين،

وقيل: هذا اليوم يوم صلة الواصلين {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى} (المائدة: ٣)

ويوم قطيعة القاطعين {أن اللّه برىء من المشركين ورسوله} (التوبة: ٣)

ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين {ربنا ظلمنا أنفسنا} (الأعراف: ٢٣)

فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك يتوب على أولاده {وهو الذى يقبل التوبة عن عباده} (الشورى: ٢٥)

وهو أيضا يوم وفد الوافدين {وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا} (الحج: ٢٧)

وفي الخبر "الحاج وفد اللّه، والحاج زوار اللّه وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره".

وأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة

فأحدها: يوم الحج الأكبر قال اللّه تعالى: {وأذان من اللّه ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر} (التوبة: ٣) وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر، واختلف الصدر الأول من الصحابة والتابعين فيهفمنهم من قال: إنه عرفة، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف بعرفات والحج عرفة إذا لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم، فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن: سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار والمسلمون، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك، وقال ابن سيرين: إنما سمي به لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم يجتمع قبله ولا بعده، ومنهم من قال: إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر مناسك الحج، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزىء في الليل وروى القولان جميعا عن علي وابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ،

وثانيها: الشفع

وثالثها: الوتر

ورابعها: الشاهد

وخامسها: المشهود في قوله: {وشاهد ومشهود} (البروج: ٣) وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية.

واعلم أنه تعالى خص يوم عرفة من بين سائر أيام الحج بفضائل، منها أنه تعالى خص صومه بكثرةالثواب قال عليه الصلاة والسلام: "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وعن أنس كان يقال في أيام العشر: كل يوم بألف ويوم عرفة بعشرة آلاف بل يستحب للحاج الواقف بعرفات أن يفطر حتى يكون وقت الدعاء قوي القلب حاضر النفس.

المسألة الرابعة: اعلم أنه لا بد وأن نشير إشارة حقيقية إلى ترتيب أعمال الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية، فمن دخل مكة محرما في ذي الحجة أو قبله، فإن كان مفردا أو قارنا طاف طواف القدوم، وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، والسنة للإمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ذي الحجة، بعدما يصلي الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فبها بالذهاب غدا بعدما يصلون الصبح إلى منى ويعلمهم تلك الأعمال، ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بها، ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها، بل يضرب فيه الإمام بنمرة وهي قريبة من عرفة، فينزلون هناك حتى تزول الشمس، فيخطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، إذا فرغ من الخطبة الأولى جلس، ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه، ثم بعد الفرغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة يذكرون اللّه تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس.

واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته وموضوعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار فقد كفى، وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.

وفي تسمية المزدلفة أقوال:

أحدها: أنهم يقربون فيها من منى والإزدلاف القرب

والثاني: أن الناس يجتمعون فيها والإجتماع الإزدلاف

والثالث: أنهم يزدلفون إلى اللّه تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة: جمع لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغربوهذا قول قتادة،

وقيل إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي دنا منها، ثم إذا أتى الإمام المزدلفة: جمع المغرب والعشاء بإقامتين، ثم يبيتون بها، فإن يبت بها فعليه دم شاة، فإذا طلع الفجر صلوا صلاة الصبح بغلس والتغليس بالفجر ههنا أشد استحبابا منه في غيرها، وهو متفق عليه، فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان منها سبعين حصاة، ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقال له قزح، وهو المراد من قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما يلي منى، فيرقى فوقه إن أمكنه، أو وقف بالقرب منه إن لم يمكنه، وبحمد اللّه تعالى يهللّه ويكبره، ولايزال كذلك حتى يسفر جدا، ثم يدفع قبل طلوع الشمس ويكفي المرور كما في عرفة، ثم يذهبون منه إلى وادي محسر فإذا بلغوا بطن محسر فيستحب لمن كان راكبا أن يحرك دابته، ومن كان ماشيا أن يسعى سعيا شديدا قدر رمية حجر، فإذا أتوا منى رموا جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي، فإذا رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه، لأنه ربما لا يكون معه هدي، ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر والتقصير أن يقطع أطراف شعوره، ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة، ويصلي ركعتي الطواف، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعودون إلى منى في بقية يوم النحر وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي، واتفقوا على أنه متى حصل الرمي والحلق والطواف فقد حصل التحلل، والمراد من التحلل حل اللبس والتقليم والجماع، فهذا هو الكلام في أعمال الحج واللّه أعلم.

المسألة الخامسة: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه السلام، وذلك أن قريشا وقوما آخرين سموا أنفسهم بالحمس، وهم أهل الشدة في دينهم، والحماسة الشدة يقال: رجل أحمس وقوم حمس، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، ومعناه: أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض، وهو المنخفض منها، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض، فأمر اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، والآية لا دلالة فيها على ذلك، بل السنة دلت على هذه الأحكام.

المسألة السادسة: الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر اللّه عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به فلم يكن آتيا بالحج المأمور به، فوجب أن لا يخرج عن العهدة وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا أقصى ما في الباب أن الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه، وإنما يعدل عنه بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب، إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة.

المسألة السابعة: قوله: {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} يدل أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة، فأما الوقوف هناك فمسنون، وروي عن علقمة والنخعي أنهما قالا: الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له صريحا في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة، والمشعر الحرام فيه أمر جزم، وقال جمهور الفقهاء: إنه ليس بركن، واحتجوا بقوله عليه السلام:"الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه" وبقوله: "من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج" قالوا: وفي الآية إشارة إلى ما قلنا لأن اللّه تعالى قال: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} أمر بالذكر لا بالوقوف، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام تبع للذكر، وليس بأصل،

وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال: {فإذا أفضتم من عرفات} ولم يقل من الذكر بعرفات.

المسألة الثامنة: {المشعر} المعلم وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته، وليت شعري ما فعل فلان، أي ليس علمي بلغه وأحاط به، وشعار الشيء أعلامه، فسمى اللّه تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام، لأنه معلم من معالم الحج، ثم اختلفوا فقال قائلون: المشعر الحرام هو المزدلفة، وسماها اللّه تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده، هكذا قاله الواحدي في "البسيط" قال صاحب "الكشاف": الأصح أنه قزح، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله: {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة.

المسألة التاسعة: اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكرا قال اللّه تعالى: {إننى أنا اللّه} (طه: ١٤) والدليل عليه أن قوله: {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} أمر وهو للوجوب، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا،

وأما الجمهور فقالوا: المراد منه ذكر اللّه بالتسبيح والتحميد والتهليل، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال: كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون.

أما قوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} ففيه سؤالات:

السؤال الأول: لما قال: {اذكروا اللّه * عند المشعر الحرام} فلم قال مرة أخرى {واذكروه} وما الفائدة في هذا التكرير؟.

والجواب من وجوه

أحدها: أن مذهبنا أن أسماء اللّه تعالى توقيفية لا قياسية فقوله أولا: {اذكروا اللّه} أمر بالذكر، وقوله ثانيا: {واذكروه كما هداكم} أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا وأمرنا أن نذكره بها، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس

وثانيها: أنه تعالى أمر بالذكر أولا، ثم قال ثانيا: {واذكروه كما هداكم} أي وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم اللّه لدين الإسلام، فكأنه تعالى قال: إنما أمرتكم بهذا الذكر لتكونوا شاكرين لتلك النعمة، ونظيره ما أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان، فقال: {ولتكملوا العدة ولتكبروا اللّه على ما هداكم} (البقرة: ١٨٥) وقال في "الأضاحي": {كذالك سخرها لكم لتكبروا اللّه على ما هداكم}

وثالثها: أن قوله أولا: {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} أمر بالذكر باللسان وقوله ثانيا: {واذكروه كما هداكم} أمر بالذكر بالقلب، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ضربان

أحدهما: ذكر هو ضد النسيان

والثاني: الذكر بالقول، فما هو خلاف النسيان قوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} (الكهف: ٦٣)

وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله: {فاذكروا اللّه كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا * واذكروا اللّه فى أيام معدودات} (البقرة: ٢٠٣) فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين

فالأول: محمول على الذكر باللسان

والثاني: على الذكر بالقلب، فإن بهما يحصل تمامالعبودية

ورابعها: قال ابن الأنباري: معنى قوله: {واذكروه كما هداكم} يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته

وخامسها: يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا اللّه واذكروه أي اذكروه ذكرا بعد ذكر، كما هداكم هداية بعد هداية، ويرجع حاصله إلى قوله: {عليما ياأيها الذين ءامنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا} (الأحزاب: ٤١)

وسادسها: أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة، ثم قال بعده: {واذكروه كما هداكم} والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام، بل عن من سواه فيصير مستغرقا في نور جلاله وصمديته، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكرا له ومشتغلا بالثناء عليه، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال، ومن أراد أن يصل إليه، فليكن من الواصلين إلى العين، دون السامعين للأثر ورابعها: أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء اللّه تعالى وصفاته الحسنى، والمراد بالذكر الثاني: الاشتغال بشكر نعمائه، والشكر مشتمل أيضا على الذكر، فصح أن يسمي الشكر ذكرا، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية، فقال: {كما هداكم} والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر

وثامنها: أنه تعالى لما قال {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة، يعني الحج فأزال اللّه تعالى هذه الشبهة فقال {واذكروه كما هداكم} يعني اذكروه على كل حال، وفي كل مكان، لأن هذا الذكر إنما وجب شكرا على هدايته، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمرا غير منقطع

وتاسعها: أن قوله: {فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام} المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك، ثم قوله: {واذكروه كما هداكم} والمراد منه التهليل والتسبيح.

السؤال الثاني: ما المراد من الهداية في قوله: {كما هداكم}؟.

الجواب: منهم من قال: إنها خاصة، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة اللّه تعالى، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه.

السؤال الثالث: الضمير في قوله: {من قبله} إلى ماذا يعود؟.

الجواب: يحتمل أن يكون راجعا إلى {الهدى} والتقدير: وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين، وقال بعضهم: إنه راجع إلى القرآن، والتقدير: واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين.

أما قوله تعالى: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} فقال القفال رحمة اللّه عليه: فيه وجهان

أحدهما: وما كنتم من قبله إلا الضالين

والثاني: قد كنتم من قبله من الضالين، وهو كقوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ} (الطارق: ٤) وقوله: {وإن نظنك لمن الكاذبين} (الشعراء ١٨٦).

١٩٩

{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا اللّه إن اللّه غفور رحيم}.

فيه قولان

الأول: المراد به الإفاضة من عرفات، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه

أحدها: أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى

وثانيها: أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون: نحن أهل اللّه فلا نحل حرم اللّه

وثالثها: أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم، لكان ذلك يوهم نقصا في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية أمرا لهم بأن يقفوا في عرفات، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر اللّه إلى عرفات ووقف بها، وأمر سائر الناس بالوقوف بها، وعلى هذا التأويل فقوله: {من حيث أفاض الناس} يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإضافة من عرفات من يقول قوله: {ثم أفيضوا} أمر عام لكل الناس، وقوله: {من حيث أفاض الناس} المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات، وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس، ويخالف الحمس، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدي به، وهو كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} (آل عمران: ١٧٣) يعني نعيم بن مسعود {إن الناس قد جمعوا لكم} (آل عمران: ١٧٣) يعني أبا سفيان، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور، ومنه قوله: {إنا أنزلناه فى ليلة القدر} (القدر: ١) وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه اللّه، وهو أن يكون قوله: {من حيث أفاض الناس} عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال: هذا مما فعله الناس قديما، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال: المراد من هذه الإفاضة من عرفات.

القول الثاني: وهو اختيار الضحاك: أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله: {من حيث أفاض} المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس، فاللّه تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالا:

أما الإشكال على القول الأول: فهو أن قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} (البقرة: ١٩٨) لمكان {ثم} فإنها توجب الترتيب، ولو كان المراد من هذه الآية: الإفاضة من عرفات، مع أنه معطوف على قوله {فإذا أفضتم من عرفات}كان هذا عطفا للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية: فإذا أفضتم من عرفاتثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الآية متقدمة على ما قبلها، والتقدير: فاتقون يا أولي الألباب، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا اللّه إن اللّه غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا اللّه، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها.

قلنا: هذا وإن كان محتملا إلا أن الأصل عدمه، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه.

وأما الإشكال على القول

الثاني: فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ {من حيث} في قوله: {من حيث أفاض الناس} على الزمان، وذلك غير جائز، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان.

أجاب القائلون بالقول الأول: عن ذلك السؤال بأن {ثم} ههنا على مثال ما في قوله تعالى: {وما أدراك ما العقبة * فك رقبة} (البلد: ١٣) إلى قوله: {ثم كان من الذين ءامنوا} (البلد: ١٧) أي كان مع هذا من المؤمنين، ويقول الرجل لغيره: قد أعطيتك اليوم كذا وكذا، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة {ثم} ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه.

وأجاب القائلون بالقول الثاني: بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جدا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملا في الآخر على سبيل المجاز.

أما قوله: {من حيث أفاض الناس} فقد ذكرنا أن المراد من {الناس}

أما الواقفون بعرفات

وأما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري.

أن المراد بالناس في هذه الآية: آدم عليه السلام، واحتج بقراءة سعيد بن جبير {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} وقال: هو آدم نسي ما عهد إليه، ويروى أنه قرأ {الناس} بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء، والمعنى: أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه.

أما قوله تعالى: {واستغفروا اللّه} فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة اللّه ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات اللّه تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما،

وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب.

فإن قيل: كيف أمر بالإستغفار مطلقا، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار.

والجواب: أنه إن كان مذنبا فالإستغفار واجب، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات، والاحتراز عن المحظورات، وجب عليه الإستغفار أيضا تداركا لذلك الخلل المجوز، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات، فهذا كالممتنع في حق البشر، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد، فكيف في أعمال كل العمر، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضاواجب، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق، ولهذا قالت الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فكان الإستغفار لازما من هذه الجهة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة".

وأما قوله تعالى: {إن اللّه غفور رحيم} قد علمت أن غفورا يفيد المبالغة، وكذا الرحيم، ثم في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمةفهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه.

المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون: إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع،

وقال آخرون: إنها عند الدفع من الجمع إلى منى، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله: {ثم أفيضوا} على أي الأمرين يحمل؟ قال القفال رحمه اللّه: ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال: "يا أيها الناس إن اللّه عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم اللّه" فقال أصحابه: يا رسول اللّه أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئا لم يجد لي به: سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: التبعات ضمنت عوضها من عندي" اللّهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين.

٢٠٠

{فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا}.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون بالمنثور من الكلام، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه، فلما أنعم اللّه عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم، وروى القفال في "تفسيره" عن ابن عمر قال: طاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: "

أما بعد أيها الناس إن اللّه قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على اللّه أو فاجر شقي هين على اللّه ثم تلا {رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} (الحجرات: ١٣) أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم" وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول: اللّهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القدر، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.

المسألة الثانية: اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام، نظير الأول قوله تعالى: {فقضاهن سبع * سماوات * فى يومين * فإذا قضيت الصلواة} وقال عليه الصلاة والسلام: "وما فاتكم فاقضوا" ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضي بينهما، ونظير الثاني قوله تعالى: {وقضى ربك} (الإسراء: ٢٣) وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضا ذلك كقوله: {وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب} (الإسراء: ٤) يعني أعلمناهم.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا اللّه عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه} كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله: {فإذا قضيتم مناسككم} مشعر بالفراغ والاتمام من الكل، وهذا مفارق لقول القائل: إذا حججت فقف بعرفات، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ،

وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج.

المسألة الثالثة: "المناسك" جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف المضاف.

إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: المراد من المناسك ههنا ما أمر اللّه تعالى به الناس في الحج من العبادات، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.

المسألة الرابعة: الفاء في قوله: {فاذكروا اللّه} يدلى على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو؟

فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشويقعلى حسب اختلافهم في وقته أولا وآخرا، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات، ومنهم من قال: بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة، فكأنه تعالى قال: فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر اللّه دون ذكر الآباء، ومنهم من قال: بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى اللّه تعالى، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهده العبادة: قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصودا بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال اللّه، والتقدير: فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر اللّه، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار.

أما قوله تعالى: {كذكركم ءاباءكم} ففيه وجوه

أحدها: وهو قول جمهور المفسرين: أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال اللّه سبحانه وتعالى: {فاذكروا اللّه كذكركم * أباكم} يعني توفروا على ذكر اللّه كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على اللّه وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقا فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور، وكل ذلك من أمهات المهلكات، فثبت أن اشتغالكم بذكر اللّه أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي

وثانيها: قال الضحاك والربيع: اذكروا اللّه كذكركم آباءكم وأمهاتكم، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله: {سرابيل تقيكم الحر} (النحل: ٨١) قالوا وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه، أمه أمه، أي كونوا مواظبين على ذكر اللّه كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه

وثالثها: قال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر اللّه

ورابعها: قال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم، فقال تعالى: عظموا اللّه كتعظيمكم آبائكم

وخامسها: قال بعض المذكورين: المعنى اذكروا اللّه بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم: اذكروا اللّه بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك، وهذا هو المراد بقوله: {أو أشد ذكرا}

وسادسها: أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكرا له بالتعظيم، فكونوا أنتم في ذكر اللّه كذلك

وسابعها: يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكره إلى إجابة الدعاء عند اللّه فعرفهم اللّه تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء اللّه ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبلوقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال: "من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت" إذا كان ما سوى اللّه فإنما هو للّه وباللّه فالأولى تعظيم اللّه تعالى ولا إله غيره

وثامنها: روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: هو أن تغضب للّه إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.

واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه، اللّهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين.

أما قوله تعالى: {أو أشد ذكرا} ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: عامل الإعراب في {أشد} قيل: الكاف، فيكون موضعه جرا

وقيل: {اذكروا} فيكون موضعه نصبا، والتقدير: اذكروا اللّه مثل ذكركم آباءكم، واذكروه {أشد ذكرا} من آبائكم.

المسألة الثانية: قوله: {أو أشد ذكرا} معناه: بل أشد ذكرا، وذلك لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة،

أما صفات الكمال للّه عز وجل فهي غير متناهية، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق اللّهتعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم، قال القفال رحمه اللّه: ومجاز اللغة في مثل هذا معروف، يقول الرجل لغيره: افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه، لا يريد به التشكيك، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه.

{فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا وما له فى الاخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار }.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن اللّه تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، فقال: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم} (البقرة: ١٩٨) ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره، وأن يقتصر على ذكره فقال: {فاذكروا اللّه كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا} ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: {فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا} وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر اللّه تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: {الذى خلقنى فهو يهدين} (الشعراء: ٧٨) ثم قال: {رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين} فقدم الذكر على الدعاء.

إذا عرفت هذا فنقول: بين اللّه تعالى أن الذين يدعون اللّه فريقان

أحدهما: أن يكون دعاؤهم مقصورا على طلب الدنيا

والثاني: الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وقد كان في التقسيم قسم ثالث، وهو من يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا؟ والأكثرون على أنه غير مشروع، وذلك أن الإنسان خلق محتاجا ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة، روى القفال في "تفسيره" عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض، فقال: ما كنت تدعو اللّه به قبل هذا قال: كنت أقول.

اللّهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبي عليه السلام: "سبحان اللّه إنك لا تطيق ذلك ألا قلت {ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار}" قال فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشفي.

واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن، أو على منبت شعرة واحدة، لشوش الأمرعلى الإنسان وصار بسببه محروما عن طاعة اللّه تعالى وعن الاشتغال بذكره، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة اللّه تعالى في أولاه وعقباه، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين، وأهمل هذا القسم الثالث.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الذين حكى اللّه عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ فقال قوم: هم الكفار، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا: اللّهم أرزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد، وعن أنس كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر، فأخبر اللّه تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه اللّه أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم اللّه في الدنيا، طلبا للمأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة،

وقال آخرون: هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون اللّه لدنياهم، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا اللّه تعالى في أعظم المواقف، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة، وإن كان الفاعل مسلما، كما روى في قوله: {إن الذين يشترون بعهد اللّه وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة} (آل عمران: ٧٧) أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، "إن اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ثم معنى ذلك على وجوه

أحدها: أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب

والثاني: لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو اللّه عنه

والثالث: لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل اللّه لآخرته، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك واللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ربنا ءاتنا فى الدنيا} حذف مفعول {أتانا} من الكلام لأنه كالمعلوم، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث: روحانية، وبدنية، وخارجية

أما الروحانية فإثنان: تكميل القوة النظرية بالعلم، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة،

وأما البدنية فإثنان: الصحة والجمال،

وأما الخارجية فإثنان: المال، والجاه، فقوله: {فى الدنيا حسنة} يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان من الدنيا، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا، ثم قال تعالى في حق هذا الفريق {له فى الاخرة من خلاق} أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى} (الشورى: ٢٠) ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا؟ قال بعضهم: إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان وليا للّه تعالى مستحقا للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفا حيا فاللّه تعالى يعطيه رزقه على ما قال: {وما من دابة في الارض إلا على اللّه رزقها} (هود: ٦) وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجابا، لكن تلك الإجابة قد تكون مكرا واستدراجا.

٢٠١

أما قوله تعالى: {ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار}

فالمفسرون ذكروا فيه وجوها

أحدها: أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة، والأمن، والكفاية والولد الصالح، والزوجة الصالحة، والنصرة على الأعداء، وقد سمى اللّه تعالى الخصب والسعة في الرزق، وما أشبهه "حسنة" فقال: {إن تصبك حسنة تسؤهم} (التوبة: ٥٠)

وقيل في قوله: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} (التوبة: ٥٢) أنهما الظفر والنصرة والشهادة،

وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثوب، والخلاص من العقاب، وبالجملة فقوله: {ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة} كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرةروى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال: "اللّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" قالوا: زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه

وثانيها: أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر اللّه وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه: {ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار} فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما أعلم أن هذا الرجل سأل اللّه شيئا من أمر الدنيا، فقال بعض الصحابة: بلى يا رسول اللّه إنه قال: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنه يقول: آتنا في الدنيا عملا صالحا وهذا متأكد بقوله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} (الفرقان: ٧٤) وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية

وثالثها: قال قتادة: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين، وعن الحسن: الحسنة في الدنيا فهم كتاب اللّه تعالى، وفي الآخرة الجنة، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات، ولكنه قال: {فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا} وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة.

فإن قيل: أليس أنه لو قيل: آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير؟

قلت: الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند اللّه أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول: اللّهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول: اللّهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقا لقضائك وقدرك فأعطني ذلك، فلو قال: اللّهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما، وقد بينا أنه غير جائز،

أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين.

٢٠٢

أما قوله تعالى: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: {أولائك} فيه قولان

أحدهما: إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذينسألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال: {وما له فى الاخرة من خلاق}.

والقول الثاني: أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه، فمن أنكر البحث وحج التماسا لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك واللّه مجازيه، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال: {من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى} (الشورى: ٢٠)

أما قوله تعالى: {لهم نصيب مما كسبوا} ففيه سؤالات:

السؤال الأول: قوله: {لهم نصيب مما كسبوا} يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه؟

الجواب: المراد: لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله: {من} في قوله: {مما كسبوا} لابتداء الغاية لا للتبعيض.

السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل؟

الجواب: نعم.

ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي.

السؤال الثالث: ما الكسب؟

الجواب: الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح: إنها كسب فلان، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب، لأن لا يراد إلا الربح، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام.

أما قوله تعالى: {واللّه * سريع الحساب} ففيه مسائل.

المسألة الأولى: {سريع} فاعل من السرعة، قال ابن السكيت: سرع يسرع سرعا وسرعة فهو سريع {والحساب} مصدر كالمحاسبة، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال: حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره، والاحتساب الاعتداد بالشيء، وقال الزجاج: الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.

المسألة الثانية: اختلف الناس في معنى كون اللّه تعالى محاسبا لخلقه على وجوه

أحدها: أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب، قالوا: ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور، ونقل عن ابن عباس أنه قال: إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي اللّه تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.

والقول

الثاني: أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا} (الطلاق: ٨) ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة.

والقول الثالث: أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف

أما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذ هو المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه.

المسألة الثالثة: ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها

أحدها: أن محاسبته ترجع

أما إلى أنه يخلق علوما ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعا في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتا دالا على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنه تعالى يخلق شيئا، ولما كانت قدرة اللّه تعالى متعلقة بجميع الممكنات، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهرولذلك ورد في الخبر أن اللّه تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة

وثانيها: أن معنى كونه تعالى: {سريع الحساب} أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب، فأعلم اللّه تعالى أنه {سريع الحساب} أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد، ولا إلى فكرة وروية، وهذا معنى الدعاء المأثور "يا من لا يشغله شأن عن شأن" وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى {سريع الحساب} كونه تعالى عالما بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب

وثالثها: أن محاسبة اللّه سريعة بمعنى آتية لا محالة.

 

 

 

 

Sayfayı Büyüterek Aynı Pencerede Aç

Geri

 

الشافعي

 

تفسير الفخر الرازي

 

(ت : ٦٠٦ هـ  ١٢٠٩ م)

 

İleri

Ana Sayfa (Kur'an-ı Kerim) Aynı Pencere