٢٧٥
{الذين
يأكلون الربواا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ...}.
إعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد، وذلك لأن الصدقة
عبارة عن تنقيص المال
بسبب أمر اللّه بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي اللّه
عنه، فكانا متضادين، ولهذا قال اللّه تعالى:
{يمحق اللّه الربواا ويربى الصدقات}
فلما
حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات
حكم الربا.
أما
قوله {الذين يأكلون الربواا} فالمراد
الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال:
{الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}
(النساء: ١٠) وكما لا يجوز أكل مال
اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}
(البقرة: ١٨٨) وأيضا فلأن نفس الربا الذي
هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل، إنما يصرف
في المأكول فيؤكل، والمراد التصرف فيه، فمنع اللّه من التصرف في الربا بما
ذكرنا من الوعيد، وأيضا فقد ثبت أنه صلى
اللّه عليه وسلم : "لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له"
فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل، وأيضا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس، أن
ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه
الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا،
وأما
الربا ففيه مسائل:
المسألة
الأولى: الربا في اللغة عبارة عن الزيادة
يقال: ربا الشيء يربو ومنه قوله {اهتزت وربت}
(الحج: ٥) أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل
في الربا، ومنه الحديث "من أجبى فقد أربى" أي عامل بالربا، والاجباء بيع
الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة.
المسألة
الثانية: قرأ
حمزة
والكسائي {الربا} بالإمالة لمكان
كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو،
وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء، قال صاحب "الكشاف": الربا كتبت
بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها
بواو الجمع.
المسألة
الثالثة: إعلم أن الربا قسمان: ربا
النسيئة، وربا الفضل.
أما
ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم
كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال
باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء
زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.
وأما
ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك.
إذا عرفت هذا فنقول: المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول
فكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز بالنقد، فقال له أبو سعيد
الخدري: شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ما لم تسمع ثم
روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين: كنا
في بيت ومعنا عكرمة، فقال رجل: يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا
ابن عباس
فقال: إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه
صلى اللّه عليه وسلم حرمه، فاشهدوا
أني حرمته وبرئت منه إلى اللّه، وحجة ابن عباس أن قوله
{وأحل اللّه البيع} يتناول بيع الدرهم
بالدرهمين نقدا، وقوله
{وحرم الربواا} لا يتناوله لأن الربا
عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة، بل قوله
{وحرم الربواا} إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم
بأنه ربا.
وذلك هو ربا النسيئة، فكان قوله {وحرم الربواا}
مخصوصا بالنسيئة، فثبت أن قوله {وأحل اللّه
البيع} يتناول ربا النقد، وقوله
{وحرم الربواا} لا يتناوله، فوجب أن يبقى
على الحل، ولا يمكن أن يقال: إنما يحرمه
بالحديث، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن مخبر الواحد وأنه غير جائز، وهذا هو
عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم
لا؟
وأما
جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم
الربا في القسمين،
أما
القسم الأول
فبالقرآن،
وأما
ربا النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة،
ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء: حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة، بل
ثابتة في غيرها، وقال نفاة القياس: بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من
وجوه:
الحجة
الأولى: أن الشارع خص من المكيلات
والمطعومات والأقوات أشياء أربعة، فلو كان الحكم ثابتا في كل المكيلات أو
في كل المطعومات لقال: لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلا، أو قال: لا
تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلا، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصارا، وأكثرر
فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة،
علمنا أن حكم الحرمة مقصور عيها فقط.
الحجة
الثانية: أنا بينا في
قوله تعالى:
{وأحل اللّه البيع} يقتضي حل ربا النقد
فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة،
ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها، فكان هذا تخصيصا لعموم نص القرآن
في الأشياء الستة بخبر الواحد، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة، ثبت
الحكم فيها بخبر الواحد، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد،
وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن، فكان هذا ترجيحا للأضعف على الأقوى، وأنه
غير جائز.
الحجة
الثالثة: أن التعدية من محل النص إلى غير
محل النص، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص، وذلك غير جائز،
أما
أولا: فلأنه يقتضي تعليل حكم اللّه، وذلك محال على ما ثبت في الأصول،
وأما
ثانيا: فلأن الحكم في مورد النص معلوم، واللغة مظنونة وربط المعلوم
بالمظنون غير جائز،
وأما
جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة
ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل هي ثابتة في غيرها، ثم من
المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل
الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا
في العلة على مذاهب.
فالقول
الأول:
وهو مذهب الشافعي رضي اللّه عنه: أن
العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي
الذهب والفضة النقدية.
والقول
الثاني: قول
أبي حنيفة رضي اللّه عنه: أن كل ما
كان مقدرا ففيه الربا، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن، وفي الأشياء
الأربعة الكيل واتحاد الجنس.
والقول
الثالث: قول مالك رضي اللّه عنه أن العلة
هو القوت أو ما ي
صلح به القوت، وهو الملح.
والقول
الرابع: وهو قول عبد الملك بن الماجشون:
أن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا، والكلام
في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير.
المسألة
الرابعة: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها
أحدها:
الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين
نقدا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان
متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال صلى اللّه
عليه وسلم : "حرمة مال الإنسان كحرمة دمه" فوجب أن يكون أخذ ماله من
غير عوض محرما.
فإن قيل:
لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضا عن الدرهم
الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن
يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحا فلما
تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك
الدرهم الزائد عوضا عن انتفاعه بماله.
قلنا:
إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم
الزائد أمر متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر
وثانيها:
قال بعضهم: اللّه تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال
بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم
الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة
الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن
المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات
والعمارات
وثالثها:
قيل: السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من
القرض، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا
لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع
المواساة والمعروف والإحسان
ورابعها:
هو أن الغالب أن المقرض يكون غنيا، والمستقرض يكون فقيرا، فالقول بتجويز
عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف ما لا زائدا، وذلك غير
جائز برحمة الرحيم و
خامسها:
أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة
للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم
الوجه فيه.
أما
قوله تعالى:
{لا يقومون} فأكثر المفسرين قالوا: المراد منه القيام يوم القيامة،
وقال بعضهم: المراد منه القيام من القبر، واعلم أنه لا منافاة بين
الوجهين، فوجب حمل اللفظ عليهما.
أما
قوله تعالى:
{إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس} ففيه مسائل:
المسألة
الأولى: التخبط معناه الضرب على غير
استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء،
وخبط البعير للأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون لأنه
كالضرب على غير الاستواء في الادهاش، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل
خبطة، ويقال: به خبطة من جنون، والمس الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه
مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون
مسا، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط
بالرجل والمس باليد، ثم فيه سؤالان:
السؤال
الأول:
التخبط تفعل، فكيف يكون متعديا؟.
الجواب:
تفعل بمعنى فعل كثير، نحو تقسمه بمعنى قسمه، وتقطعه بمعنى قطعه.
السؤال
الثاني: بم تعلق قوله
{من المس}.
قلنا:
فيه وجهان
أحدهما:
بقوله {لا يقومون} والتقدير: لا يقومون من
المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان
والثاني:
أنه متعلق بقوله {ياقوم} والتقدير لا
يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس.
المسألة
الثانية: قال
الجبائي: الناس يقولون المصروع إنما
حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل
لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه:
أحدها:
قوله تعالى حكاية عن الشيطان
{وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم
فاستجبتم لى} (إبراهيم: ٢٢) وهذا
صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء
والثاني:
الشيطان
أما
أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان
الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه
أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق
وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف
يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان،
وأما
إن كان جسما لطيفا كالهواء، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع
أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله
الثالث:
لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوة
الرابع:
أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة
عداوته لأهل الإيمان، ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم،
ويزيل عقولهم؟ وكل ذلك ظاهر الفساد، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على
هذه الأشياء بوجهين
الأول:
ما روي أن الشياطين في زمان سليمان بن
داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى اللّه عنهم
أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور
راسيات.
والجواب
عنه: أنه تعالى كلفهم في زمن سليمان فعند ذلك قدروا على هذه الأفعال
وكان ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام
والثاني:
أن هذه الآية وهي قوله {يتخبطه الشيطان}
صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسه.
والجواب
عنه: أن الشيطان يمسه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو كقول
أيوب عليه السلام
{أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب}
(ص : ٤١) وإنما يحدث الصرع عند تلك
الوسوسة لأن اللّه تعالى خلقه من ضعف الطباع، وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف
عند الوسوسة فلا يجترىء فيصرع عند تلك الوسوسة، كما يصرع الجبان من الموضع
الخالي، ولهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين، وأهل الحزم
والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام
الجبائي في هذا الباب، وذكر القفال
فيه وجه آخر، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن، فخوطبوا
على ما تعارفوه من هذا، وأيضا من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن
يضيفوه إلى الشيطان، كما في
قوله تعالى:
{طلعها كأنه * رءوس * الشياطين}
(الصافات: ٦٥).
المسألة
الثالثة: للمفسرين في الآية أقوال
الأول:
أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا،
فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى
الآية: أنهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشيطان بجنون.
والقول
الثاني: قال ابن منبه: يريد إذا بعث
الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله {يخرجون من
الاجداث سراعا} (المعارج: ٤٣) إلا
آكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس
وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه اللّه في بطونهم يوم القيامة حتى
أثقلهم فهم ينهضون، ويسقطون، ويريدون الإسراع، ولا يقدرون، وهذا القول غير
الأول لأنه يريد أن آكلة الربا لا يمكنهم
الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، وهذا ليس من الجنون في شيء، ويتأكد هذا
القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي
صلى اللّه عليه وسلم انطلق به
جبريل إلى رجال كل واحد منهم كالبيت
الضخم
يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، فقلت:
يا جبريل من هؤلاء؟ قال:
{الذين يأكلون الربواا لا يقومون إلا كما يقوم
الذى يتخبطه الشيطان من المس}.
والقول
الثالث: أنه مأخوذ من
قوله تعالى:
{إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطان تذكروا
فإذا هم مبصرون} (الأعراف: ٢٠١)
وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير اللّه، فهذا
هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا، فتارة
الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت
هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل
الربا لا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك
الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين اللّه تعالى، فالخبط الذي كان حاصلا في
الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذل الحجاب، وهذا
التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا.
أما
قوله تعالى:
{ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربواا} ففيه مسائل:
المسألة
الأولى: القوم كانوا في تحليل الربا على
هذه الشبهة، وهي أن من اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بأحد
عشر فهذا حلال، فكذا إذا باع العشرة بأحد
عشرة يجب أن يكون حلال، لأنه لا فرق في
العقل بين الأمرين، فهذا في ربا النقد،
وأما
في ربا النسيئة فكذلك أيضا، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال
بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر، وجب أن يجوز
لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين، وذلك لأنه إنما جاز هناك، لأنه حصل
التراضي من الجانبين، فكذا ههنا لما حصل التراضي من الجانبين وجب أن يجوز
أيضا، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات، ولعلل الإنسان أن يكون صفر اليد
في الحال شديد الحاجة، ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة، فإذا
لم يجز الربا لم يعطه رب المال شيئا فيبقى الإنسان في الشدة والحاجة،
أما
بتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال طمعا في الزيادة، والمديون يرده عند
وجدان المال، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في
الحاجة قبل وجدان المال، فهذا يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات
لأجل دفع الحاجة، فهذا هو شبهة القوم، واللّه تعالى أجاب عنه بحرف واحد،
وهو قوله {وأحل اللّه البيع وحرم الربواا}
ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس، وهو من عمل إبليس، فإنه
تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى اللّه عليه
وسلم عارض النص بالقياس، فقال: {أنا خير
منه خلقتني من نار وخلقته من طين}
(الأعراف: ١٢) (ص : ٧٦) واعلم أن
نفاة القياس
يتمسكون بهذا الحرف، فقالوا: لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة،
فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس، وذكر القفال رحمة اللّه
عليه الفرق بين البابين، فقال: من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات
الثوب مقابلا بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد
منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير
عوض،
أما
إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن
يقال: إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل، لأن الامهال ليس مالا أو شيئا يشار
إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة، فظهر الفرق بين الصورتين.
المسألة
الثانية: ظاهر
قوله تعالى:
{ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربواا}
يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه
وأكله مع التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من
الكبائر.
فإن قيل:
مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا
الربا.
قلنا:
إن قوله {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل
الربواا} صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط،
وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس
الأكل، وذكرنا عليه وجوها من الدلائل، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا،
ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن
الاستحلال، يقال: فلان يأكل مال اللّه قضما خصما، أي يستحل التصرف فيه،
وإذا حملنا الأكل على الاستحلال، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها، فهذا
ما يدل عليه لفظ الآية، إلا أن جمهور
المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا، لا على وعيد من
يستحل هذا العقد.
المسألة
الثالثة: في الآية سؤال، وهو أنه لم لم
يقل: إنما الربا مثل البيع، وذلك لأن حل البيع متفق عليه، فهم أرادوا أن
يقيسوا عليه الربا، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، فكان
نظم الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع، فما الحكمة في أن قلب هذه
القضية، فقال: {إنما البيع مثل الربواا}.
والجواب:
أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أن الربا
والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين
بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير
فأيهما قدم أو أخر جاز.
أما
قوله تعالى:
{وأحل اللّه البيع وحرم الربواا} ففيه مسائل:
المسألة
الأولى: يحتمل أن يكون هذا الكلام من
تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم
قالوا: البيع مثل الربا، ثم إنكم تقولون {وأحل
اللّه البيع وحرم الربواا} فكيف يعقل هذا؟ يعني أنهما لما كانا
متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان
ذلك إيقاعا للتفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله
{أحل اللّه * البيع وحرم الربواا} ذكره
الكفار على سبيل الاستبعاد،
وأما
أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله
{إنما البيع مثل الربواا}
وأما
قوله {أحل اللّه * البيع وحرم الربواا}
فهو كلام اللّه تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالا لقول الكفار إنما
البيع مثل الربا، والحجة على صحة هذا القول وجوه.
الحجة
الأولى: أن قول من قال: هذا كلام الكفار
لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار، أو
يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل،
وأما
إذا جعلناه كلام اللّه ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار، فكان ذلك أولى.
الحجة
الثانية: أن المسلمين أبدا كانوا متمسكين
في جميع مسائل البيع بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام اللّه لا
كلام الكفار، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به، وفي هذه
الحجة كلام سيأتي في
المسألة
الثانية.
الحجة
الثالثة: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة
قوله {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف
وأمره إلى اللّه ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها} فظاهر هذا
الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله
{إنما البيع مثل الربواا} فاللّه تعالى قد
كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها، ولو لم يكن قوله
{وأحل اللّه البيع وحرم الربواا} كلام
اللّه لم يكن جواب تلك الشبهة مذكورا فلم يكن قوله
{فمن جاءه موعظة من ربه} لائقا بهذا
الموضع.
المسألة
الثانية: مذهب
الشافعي رضي اللّه عنه أن قوله
{وأحل اللّه البيع وحرم الربواا} من
المجملات التي لا يجوز التمسك بها، وهذا هو المختار عندي، ويدل عليه وجوه
الأول:
أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد
العموم ألبتة، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية، ومتى كان كذلك كفى العمل به
في ثبوت حكمه في صورة واحدة.
والوجه
الثاني: وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد
العموم، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم،
مثلا قوله {وأحل اللّه البيع} وإن أفاد
الاستغراق إلا أن قوله وأحل اللّه البيعات أقوى في إفادة الاستغراق، فثبت
أن قوله {وأحل اللّه البيع} لا يفيد
الاستغراق إلا إفادة ضعيفة، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات
كثيرة خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام اللّه تعالى
وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم ،
لأنه كذب والكذب على اللّه تعالى محال، فأما
العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلا جدا فذلك جائز لأن إطلاق لفظ
الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب، فثبت أن حمل هذا على العموم
غير جائز.
الوجه
الثالث: ما
روي عن عمر رضي اللّه عنه قال: خرج رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم من الدنيا وما
سألناه عن الربا، ولو كان هذا اللفظ مفيدا للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن
هذه الآية من المجملات.
الوجه
الرابع: أن قوله
{وأحل اللّه البيع} يقتضي أن يكون كل بيع
حلالا، وقوله
{وحرم الربواا} يقتضي أن يكون كل ربا حراما، لأن الربا هو الزيادة
ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرم
الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، فكانت مجملة، فوجب الرجوع
في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى اللّه
عليه وسلم .
أما
قوله {فمن جاءه موعظة من ربه} فاعلم أنه
ذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ، وقرأ أبي
والحسن {فمن * جاءته * موعظة} ثم قال:
{فانتهى} أي فامتنع، ثم قال:
{فله ما سلف} وفيه مسألتان:
المسألة
الأولى: في التأويل وجهان
الأول:
قال الزجاج: أي صفح له عما مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية، وهو كقوله
{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}
(الأنفال: ٣٨) وهذا التأويل ضعيف لأنه
قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراما ولا ذنبا، فكيف يقال المراد من
الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب، والنهي المتأخر لا يؤثر
في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك، وهو قوله
{فله ما سلف} فكيف يكون ذلك ذنبا
الثاني:
قال السدي: له ما سلف أي له ما أكل من الربا، وليس عليه رد ما سلف،
فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه،
وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله
{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب} (البقرة:
٢٧٩).
المسألة
الثانية: قال الواحدي: السلف المتقدم،
وكل شيء قدمته أمامك فهو سلف، ومنه الأمة السالفة، والسالفة العنق لتقدمه
في جهة العلو، والسلفة ما يقدم قبل الطعام، وسلافة الخمر صفوتها، لأنه أول
ما يخرج من عصيرها.
أما
قوله تعالى:
{وأمره إلى اللّه} ففيه وجوه للمفسرين، إلا أن الذي أقوله: إن هذه
الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم
يترك، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها.
أما
مقدمة الآية فلأن قوله {فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى} ليسس فيه بيان أنه انتهى عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور
إلى السابق
وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى اللّه أنهم قالوا: إنما البيع مثل
الربا، فكان قوله {فانتهى} عائدا إليه،
فكان المعنى: فانتهى عن هذا القول.
وأما
مؤخرة الآية فقوله {ومن عاد فأولئك أصحاب النار
هم فيها خالدون} ومعناه: عاد
إلى الكلام المتقدم، وهو استحلال الربا {أمرى إلى
اللّه} ثم هذا الإنسان
أما
أن يقال: إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضا عن أكل الربا، أو ليس
كذلك، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقرا
بدين اللّه عالما بتكليف اللّه، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام، لكن
قوله {أمرى إلى اللّه} ليس كذلك لأنه يفيد
أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر
ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلا أن يكون مختصا بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل
الربا فههنا أمره للّه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله
{إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء} فيكون ذلك دليلا ظاهرا على صحة قولنا أن العفو من اللّه
مرجو.
أما
قوله {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون} فالمعنى: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافرا.
واعلم أن قوله {فأولائك أصحاب النار هم فيها
خالدون} دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله
{أولئك أصحاب النار} يفيد الحصر فيمن عاد
إلى قول الكافر وكذلك قوله {هم فيها خالدون}
يفيد الحصر، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار، وكونه خالدا في النار لا
يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر
الكفار فيه، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع،
وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمنا باللّه ورسوله يجوز في حقه
أن يعفو اللّه عنه، ويجوز أن يعاقبه اللّه وأمره في البابين موكل إلى
اللّه، ثم بتقدير أن يعاقبه اللّه فإنه لا يخلد في النار بل
يخرجه منها، واللّه تعالى بين صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله
{أمرى إلى اللّه} على جواز العفو في حق
صاحب الكبيرة على ما بيناه.
ثم قوله {فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون}
يدل على أن بتقدير أن يدخله اللّه النار لكنه لا يخلده فيها الأن الخلود
مختص بالكفار لا بأهل الإيمان، وهذا بيان شريف وتفسير حسن.
٢٧٦
{يمحق اللّه الربواا ويربى الصدقات واللّه لا يحب كل كفار أثيم}.
إعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات
المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك
الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل
المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى
أن الربا وإن كان زيادة في الحال، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة
وإن كانت نقصانا في الصورة، إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك
كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي
والصوارف، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه
النظم وفي الآية مسائل:
المسألة
الأولى: المحق نقصان الشيء حالا بعد حال،
ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه اللّه فانمحق وامتحق، ويقال: هجير ما حق
إذا نقص في كل شيء بحرارته.
المسألة
الثانية: إعلم أن محق الربا وإرباء
الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة،
أما
في الدنيا فنقول: محق الربا في الدنيا من وجوه
أحدها:
أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة
عن ماله، قال صلى اللّه عليه وسلم :
"الربا وإن كثر فإلى قل"
وثانيها:
إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم، والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة،
وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة
وثالثها:
أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه
ويدعون عليه، وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله
ورابعها:
أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إلى الأطماع،
وقصده كل ظالم ومارق وطماع، ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا
يترك في يده،
وأما
إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه
الأول:
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: معنى هذا المحق أن اللّه تعالى لا يقبل منه
صدقة ولا جهادا، ولا حجا، ولا صلة رحم
وثانيها:
إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى التبعة والعقوبة، وذلك هو الخسار
الأكبر
وثالثها:
أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام،
فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك،
فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع
بحرمته كيف يكون، فذلك هو المحق والنقصان.
وأما
أرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا، وأن يكون المراد في
الآخرة.
أما
في الدنيا فمن وجوه
أحدها:
أن من كان للّه كان اللّه له، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى
عبيد اللّه، فاللّه تعالى لا يتركه ضائعا في الدنيا، وفي الحديث الذي
رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم جائعا "اللّهم يسر لكل منفق خلفا
ولممسك تلفا"
وثانيها:
أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه
وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال
وثالثها:
أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة
ورابعها:
الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء
والضعفاء، فكل أحد يحترز عن منازعته، وكل ظالم، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء
من ماله، اللّهم إلا نادرا، فهذا هو المراد بأرباء الصدقات في الدنيا.
وأما
إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم : "إن اللّه
تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب، ويأخذها بيمينه فيربيها كما
يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد" وتصديق ذلك بين في
كتاب اللّه {ألم يعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة
عن عباده ويأخذ الصدقات} (التوبة: ١٠٤)
{يمحق اللّه الربواا ويربى الصدقات}
(البقرة: ٢٧٦) قال القفال رحمه اللّه
تعالى: ونظير قوله {يمحق اللّه الربواا}
المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، ونظير
قوله {ويربى الصدقات} المثل الذي ضربه
اللّه بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
أما
قوله {واللّه لا يحب كل كفار أثيم} فاعلم
أن الكفار فعال من الكفر، ومعناه من كان ذلك منه عادة، والعرب تسمي المقيم
على الشيء بهذا، فتقول: فلان فعال للخير أمار به، والأثيم فعيل بمعنى فاعل،
وهو الآثم، وهو أيضا مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه،
وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا، وفيه وجه آخر وهو أن
يكون الكفار راجعا إلى المستحيل والأثيم يكون راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد
التحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين.
٢٧٧
{إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة لهم أجرهم
عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
إعلم أن عادة اللّه في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر بعده
وعد
فلما
بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد، وقد مضى تفسير هذه الآية في
غير موضع، وفيه مسائل:
المسألة
الأولى: احتج من قال بأن العمل الصالح
خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال: {إن
الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} فعطف عمل الصالحات على الإيمان
والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه
الآية {وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا
الزكواة} مع أنه لا نزاع في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت
{وعملوا الصالحات} فكذا فيما ذكرتم، وأيضا
قال تعالى:
{الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه}
(محمد: ٣٤) وقال: {الذين كفروا وكذبوا
بئاياتنا} (البقرة: ٢٣٩)
(المائدة: ٥١٠).
وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل
حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع
التعذر على الأصل.
المسألة
الثانية: {لهم
أجرهم عند ربهم} أقوى من قوله: على ربهم أجرهم لأن
الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد، فذاك
النقد هناك حاضر متى شاء البائع أخذه،
وقوله:
أجرهم على ربهم.
يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أن
الأول أفضل.
المسألة
الثالثة: اختلفوا في قوله
{ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فقال ابن
عباس: لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة، ولا هم يحزنون بسبب ما
تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على
بعض ما فاته من الأحوال السالفة، وإن كان مغتبطا بالثانية
لأجل إلفه وعادته، فبين تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب
والكرامة، وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذ، ولا هم يحزنون بسبب أنه
فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء، لأنه لا منافسة في
الآخرة، ولا هم يحزنون أيضا بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما
صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد
في الآخرة.
المسألة
الرابعة: في
قوله تعالى:
{إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا
الصلواة وآتوا الزكواة لهم أجرهم عند ربهم} إشكال هو أن المرأة إذا
بلغت عارفة باللّه وكما بلغت حاضت، ثم عند انقطاع حيضها ماتت، أو الرجل بلغ
عارفا باللّه، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات، فهما بالاتفاق من أهل
الثواب، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال،
وأيضا من مذهبنا أن اللّه تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع
الأعمال، وإذا كان كذلك، فكيف وقف اللّه هاهنا حصول الأجر على حصول
الأعمال؟.
الجواب:
أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا، بل
لأجل أن لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب، كما قال في ضد هذا
{والذين لا يدعون مع اللّه إلاها ءاخر}
(الفرقان: ٦٨) ثم قال:
{ومن يفعل ذالك يلق أثاما}
(الفرقان: ٦٨) ومعلوم أن من ادعى مع
اللّه إلاها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر
ولكن اللّه جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير اللّه
إلاها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.
٢٧٨
{ياأيها الذين ءامنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين
}.
في الآية مسائل:
المسألة
الأولى: إعلم أنه تعالى لما بين في الآية
المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق
بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، فقال
تعالى في هذه الآية {وذروا ما بقى من
الربواا} وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض، فالزيادة تحرم،
وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك، لأن من
انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة
قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال:
{اتقوا اللّه} واتقاؤه ما نهى عنه
{وذروا ما بقى من الربواا} يعني إن كنتم
قد قبضتم شيئا فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الذي لم
تقبضوه كلا كان، أو بعضا فإنه محرم قبضه.
وإعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، وذلك لأن ما مضى
في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص، ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال
الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز
في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة
فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى هذا مذهب
الشافعي رضي اللّه عنه.
فإن قيل:
كيف قال: {مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا}
ثم قال في آخره {إن كنتم مؤمنين}.
الجواب:
من وجوه
الأول:
أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخا فأكرمني، معناه: إن من كان أخا أكرم أخاه
والثاني:
قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله
الثالث:
إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان
الرابع:
يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.
المسألة
الثانية: في سبب نزول الآية روايات:
الرواية
الأولى:
أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما
أسلموا عند فتح مكة أمرهم اللّه تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة.
والرواية
الثانية:
قال مقاتل: إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود، وعبد يا ليل،
وحبيب، وربيعة، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة،
فلما ظهر النبي
صلى اللّه عليه وسلم على الطائف أسلم
الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
والرواية
الثالثة:
نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما وكانا أسلفا في التمر،
فلما حضر الجداد قبضا بعضا، وزاد في
الباقي فنزلت الآية، وهذا قول عطاء
وعكرمة.الرواية
الرابعة:
نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي.
المسألة
الثالثة: قال القاضي: قوله
{إن كنتم مؤمنين} كالدلالة على أن الإيمان
لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب
كل الكبائر.
والجواب:
لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله
{الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة: ٣)
على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان
وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان
تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل.
٢٧٩
ثم قال تعالى:
{فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله}
وفيه مسائل:
المسألة
الأولى: قرأ عاصم
وحمزة
{فأذنوا} مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال
{فئامنوا} والباقون
{فأذنوا} بسكون الهمزة مفتوحة الذال
مقصورة، وروي عن النبي
صلى اللّه عليه وسلم ، وعن علي رضي
اللّه عنه أنهما قرآ كذلك {فأذنوا}
ممدودة، أي فاعلموا من
قوله تعالى:
{فقل ءاذنتكم على سواء}
(الأنبياء: ١٠٩) ومفعول الإيذان محذوف في
هذه الآية، والتقدير: فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من اللّه ورسوله،
وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على
إعلام غيرهم، فهذه القراءة في البلاغة آكد، وقال أحمد بن يحيى: قراءة
العامة من الاذن، أي كونوا على علم وإذن، وقرأ الحسن
{*فأيقنوا} وهو دليل لقراءة العامة.
المسألة
الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله
{مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه}
خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار
المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي: والاحتمال
الأول أولى، لأن قوله
{فأذنوا} خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم
المخاطبون بقوله {يحزنون يأيها الذين ءامنوا
اتقوا اللّه وذروا ما بقى من الربواا} وذلك يدل على أن الخطاب مع
المؤمنين.
فإن قيل:
كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟
قلنا:
هذه اللفظة قد تطلق على من عصى اللّه غير مستحل، كما جاء في الخبر "من أهان
لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" وعن جابر عن النبي
صلى اللّه عليه وسلم : "من لم يدع
المخابرة فليأذن بحرب من اللّه ورسوله" وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء
قوله تعالى:
{إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله}
(المائدة: ٣٣) أصلا في قطع
الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في
كتاب اللّه وفي سنة رسوله.
إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال
المذكور وجهان
الأول:
المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب
والثاني:
المراد نفس الحرب وفيه تفصيل، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص
وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم اللّه من التعزيز والحبس إلى أن
تظهر منه التوبة، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب
الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي اللّه عنه ما نعي الزكاة، وكذا القوم
لو اجتمعوا على ترك الأذان، وتترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه،
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضرب
عنقه.
والقول
الثاني: في هذه الآية أن قوله
{فإن لم تفعلوا فأذنوا}
(البقرة: ٢٧٩) خطاب للكفار، وأن معنى
الآية {وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين}
(البقرة: ٢٧٨) معترفين بتحريم الربا
{فإن لم تفعلوا} أي فإن لم تكونوا معترفين
بتحريمه {فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله}
ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلا على أن من كفر بشريعة واحدة من
شرائع الإسلام كان كافرا، كما لو كفر بجميع شرائعه.
ثم قال تعالى:
{وإن تبتم} والمعنى على القول
الأول تبتم من معاملة الربا
وعلى القول الثاني من استحلال الربا {فلكم رءوس
أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة
على رأس المال، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال.
٢٨٠
ثم قال تعالى:
{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} وفيه مسألتان:
المسألة
الأولى: قال النحويون
{كان} كلمة تستعمل على وجوه
أحدها:
أن تكون بمنزلة حدث ووقع، وذلك في قوله: قد كان الأمر، أي وجد، وحينئذ لا
يحتاج إلى خبر
والثاني:
أن يخلع منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان، وحينئذ يحتاج إلى
الخبر، وذلك كقوله: كان زيد ذاهبا.
واعلم أني
حين كنت مقيما بخوارزم، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء، أوردت عليهم
إشكالا في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون
إن {كان} إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلا
وهذا محال، لأن الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، فقولك
{كان} يدل على حصول معنى الكون في الزمان
الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي أنها
إن كانت فعلا كانت
تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا ألبتة بل كانت حرفا، وأنتم
تنكرون ذلك، فبقوا في هذا الإشكال زمانا طويلا، وصنفوا في الجواب عنه كتبا،
وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا
حدث ووقع ووجد، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين
أحدها:
أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض
والثاني:
أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا
قلت: كان زيد عالما فمعناه حدث في الزمان
الماضي موصوفية زيد بالعلم، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم
الثاني هو المسمى بالناقصة، وفي الحقيقة فالمفهوم من {كان} في الموضعين هو
الحدوث والوقوع، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه، فلا جرم
كان الاسم الواحد كافيا، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين
بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيا، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين
حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث، فأما
إن قلنا إنه فعل كان دالا على وقوع المصدر في الزمان الماضي، فحينئذ تكون
تامة لا ناقصة، وإن
قلنا:
إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر، وجميع خواص
الأفعال، وإذا حمل الأمر على ما قلناه
تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية.
المفهوم
الثالث:
لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا:
بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضه
وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه، فإن معنى صار أنه حدث
موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك، فيكون هنا بمعنى
حدث ووقع، إلا أنه حدوث مخصوص، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد
أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى.
المفهوم
الرابع:
أن تكون زائدة وأنشدوا:
سراة بني أبي بكر تسامى على كان المسومة الجياد
إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول:
في {كان} في هذه الآية وجهان
الأول:
أنها بمعنى وقع وحدث، والمعنى: وإن
وجد ذو عسرة، ونظيره قوله {إلا أن تكون تجارة
حاضرة} بالرفع على معنى: وإن وقعت تجارة حاضرة، ومقصود الآية إنما
يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل: وإن كان ذا عسرة لكان المعنى: وإن كان
المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر كذلك، لأن
المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة
الثاني:
أنها ناقصة على حذف الخبر، تقديره وإن كان ذو عسرة غريما لكم، وقرأ عثمان
{ذا * عسرة} والتقدير: إن كان الغريم ذا
عسرة، وقريء {ومن كان * ذا * عسرة}.
المسألة
الثانية: العسرة اسم من الأعسار، وهو
تعذر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي
الحالة التي يتعسر فيها وجود المال.
ثم قالل تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} وفيه
مسائل:
المسألة
الأولى: في الآية حذف، والتقدير: فالحكم
أو
فالأمر نظرة، أو فالذي تعاملونه نظرة.
المسألة
الثانية: نظرة أي تأخير، والنظرة الاسم
من الأنظار، وهو الإمهال، تقول: بعته الشيء بنظرة وبانظار،
قال تعالى:
{قال رب * أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت
المعلوم} (الحجر:٣٦
٣٧
٣٨).
المسألة
الثالثة: قرىء
{فنظرة} بسكون الظاء، وقرأ عطاء {*فناظره}
أي فصاحب الحق أي منتظره، أو صاحب نظرته، على طريق النسب، كقولهم: مكان
عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة
إلى الميسرة.
المسألة
الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر
واليسار، الذي هو ضد الأعسار، وهو تيسر الموجود من المال، ومنه يقال: أيسر
الرجل فهو موسر، أي صار إلى اليسر، فالميسرة واليسر والميسور الغنى.
المسألة
الخامسة: قرأ نافع
{إلى ميسرة} بضم السين والباقون بفتحها،
وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة، والمشرفة، والمشربة، والمسربة، والفتح أشهر
اللغتين، لأنه جاء في كلامهم كثيرا.
المسألة
السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص
بالربا أو عام في الكل، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم:
الآية في الربا، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر،
فقال شريح: إنما ذلك في الربا، واللّه تعالى قال في كتابه
{إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى أهلها}
(النساء: ٥٨) وذكر المفسرون في سبب نزول
هذه الآية أنه لما نزل
قوله تعالى:
{فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله} قالت
الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى اللّه فإنه لا
طاقة لنا بحرب اللّه ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك،
فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن
يؤخروهم، فأنزل اللّه تعالى: {وإن كان ذو عسرة
فنظرة إلى ميسرة}.
القول
الثاني:
وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين، واحتجوا بما ذكرنا
من أنه تعالى قال: {وإن كان ذو عسرة} ولم
يقل: وإن كان ذا عسرة، ليكون الحكم عاما في كل المفسرين، قال القاضي:
والقول
الأول أرجح، لأنه تعالى قال في الآية
المتقدمة {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب} من
غير بخس ولا نقص، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسرا وجب
إنظاره إلى وقت القدرة، لأن النظرة يراد بها التأخر، فلا بد من حق تقدم
ذكره حتى يلزم التأخر، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص، ثبت
وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى، وهو أن العاجز عن أداء
المال لا يجوز تكليفه به، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي
حنيفة ومالك والشافعي
رضي اللّه عنهم.
المسألة
السابعة: إعلم أنه لا بد من تفسير
الإعسار، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له
ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه، فلهذ
قلنا:
من وحد دارا وثيابا لا يعد في ذوي العسرة، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها
ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم
ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان قويا هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من
صاحب الدين أو غيره، فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه
ولعياله، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضا إذا كان معسرا، وقد بذل
غيره ما يؤديه، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك،
فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه
أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدين.
المسألة
الثامنة: إذا علم الإنسان أن غريمه معسر
جرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار،
فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له
أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم،
فهذا الدين الذي لزمه
أما
أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض، أو لا يكون كذلك، وفي
القسم الأول
لا بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، وفي
القسم الثاني
وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان، كان القول
قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر.
ثم قال تعالى:
{وأن تصدقوا خير لكم} وفيه مسائل:
المسألة
الأولى: قرأ عاصم
{تصدقوا} بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها،
والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفا، ومن شدد
أدغم إحدى التاءين في الأخرى.
المسألة
الثانية: في التصدق قولان
الأول:
معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على
غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس
المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله
{وأن تعفوا أقرب للتقوى} (البقرة: ٢٣٧)
والثاني:
أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام
"لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة" وهذا القول ضعيف،
لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى،
فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة، ولأن قوله
{خير لكم} لا يليق بالواجب بل بالمندوب.
المسألة
الثالثة: المراد بالخير حصول الثناء
الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
ثم قال: {إن كنتم تعلمون} وفيه وجوه
الأول:
معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه، فجعل العمل من
لوازم العلم، وفيه تهديد شديد على العصاة
والثاني:
إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض
والثالث:
إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.
٢٨١
ثم قال تعالى:
{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}
إعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب
ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم،
فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد، حتى يمتنعوا عن الربا، وعن أخذ أموال
الناس بالباطل، فلا جرم توعدهم اللّه بهذه الآية، وخوفهم على أعظم الوجوه،
وفيه مسائل:
المسألة
الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية آخر أية
نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام،
وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت
{يستفتونك}
(النساء: ١٢٧) وهي آية الكلالة، ثم نزل وهو واقف بعرفة
{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى}
(المائدة: ٣) ثم نزل
{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه}
(البقرة: ٢٨١) فقال
جبريل عليه
السلام: يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة،
وعاش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
بعدها أحدا وثمانين يوما
وقيل:
أحدا وعشرين
وقيل:
سبعة أيام،
وقيل:
ثلاث ساعات.
المسألة
الثانية: قرأ
أبو عمرو
{ترجعون} بفتح التاء والباقون بضم التاء، واعلم أن الرجوع لازم،
والرجع متعد، وعليه تخرج القراءتان.
المسألة
الثالثة: انتصب
{يوما} على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: واتقوا في
هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله
قوله {فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان
شيبا} (المزمل: ١٧) أي كيف تتقون
هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر باللّه.
المسألة
الرابعة: قال القاضي: اليوم عبارة عن
زمان مخصوص، وذلك لا يتقي، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال
واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي الواجبات،
فصار قوله {واتقوا يوما} يتضمن الأمر
بجميع أقسام التكاليف.
المسألة
الخامسة: الرجوع إلى اللّه تعالى ليس،
المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على اللّه تعالى، وليس
المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في
القرآن من قوله {ترجعون * إلى اللّه} له
معنيان
الأول:
أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب.
فالحالة
الأولى:
كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم، بل المتصرف فيهم ليس
إلا اللّه سبحانه وتعالى.
والحالة
الثانية:
كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في
أول الأمر الأبوين، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر.
والحالة
الثالثة:
بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهرا في الحقيقة إلا اللّه سبحانه،
فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في
الدنيا، فهذا هو معنى الرجوع إلى اللّه
والثاني:
أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد اللّه لهم من ثواب أو عقاب، وكلا
التأويلين حسن مطابق للفظ.
ثم قال: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} وفيه
مسألتان:
المسألة
الأولى: المراد أن كل مكلف فهو عند
الرجوع إلى اللّه لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال:
{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال
ذرة شرا يره} (الزلزلة: ٧، ٨)
وقال: {إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى
صخرة أو فى * السماوات *أو فى الارض يأت بها اللّه} وقال:
{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس
شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا}
(الأنبياء: ٤٧) وفي تأويل قوله
{ما كسبت} وجهان
الأول:
أن فيه حذفا والتقدير جزاء ما كسبت
والثاني:
أن المكتسب هو ذلك الجزاء، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف
في اللغة بأنه مكتسبه، فقوله {توفى كل نفس ما
كسبت} أي توفى كل نفس مكتسبها، وهذا التأويل أولى، لأنه مهما أمكن
تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى.
المسألة
الثانية: الوعيدية يتمسكون بهذه الآية
على القطع بوعيد الفساق، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود، لأنه
لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان إليه، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من
النار ويدخل الجنة.
ثم قال: {وهم لا يظلمون} وفيه سؤال وهو أن
قوله {توفى كل نفس ما كسبت} لا معنى له
إلا أنهم لا يظلمون، فكان ذلك تكريرا.
وجوابه: أنه تعالى لما قال: {توفى كل نفس ما
كسبت} كان ذلك دليلا على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار، فكان
لقائل أن يقول: كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله
{وهم لا يظلمون}
والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه
في تلك الورطة لأن اللّه تعالى مكنه وأزاح عذره، وسهل عليه طريق الاستدلال،
وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول
المعتزلة،
وأما
على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف
شاء وأراد لم يكن ظلما، فكان قوله {وهم لا
يظلمون} بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه.
الحكم
الثالث:
من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة.
|